طاش.. رائدًا للإعلام الخيري


الدكتور عبد القادر طاش –رحمه الله- نجم لامع في سماء الإعلام الإسلامي، إذ أنه أحد الذين لفتوا الأنظار لهذا التوجه الإعلامي، ودوره في خدمة الدعوة الإسلامية باعتبار الدعوة غاية والإعلام وسيلة، وقد ألف في ذلك العديد من المؤلفات، وعشرات البحوث والدراسات والمقالات، التي أصلت الكثير من الأسس النظرية لهذا الفن، تلك التي بنى عليها من بعده من المهتمين بهذا التخصص.


 ولم يقتصر دور طاش على التنظير للإعلام الإسلامي بل مارسه على صعيد التطبيق العملي، حيث أسس وترأس تحرير العديد من المطبوعات الإسلامية المتخصصة، وأهمها جريدة "المسلمون"، ومجلة "الدعوة"، وجريدة "العالم الإسلامي" وملحق "الرسالة"، كما كان أول مدير لقناة "اقرأ" الفضائية التي كانت أول فضائية إسلامية متخصصة، وسبقها نشاطه الإذاعي الطويل في إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، والتلفزيون السعودي.


وقد بارك الله لعبد القادر طاش في عمره القصير فكان غزير الإنتاج العلمي والإعلامي، كما كان له قبول جماهيري وحضور بارز في شتى الفعاليات الثقافية، مما أتاح له ترك بصمات مؤثرة في العديد من المجالات، كان من أهمها مجال العمل الخيري وإعلامه، وهو الذي يعنينا ونسعى لإلقاء الضوء عليه.


 


رؤية عبد القادر طاش للإعلام الخيري


 


تعكس رؤية عبد القادر طاش للإعلام الخيري اهتمامه -رحمه الله- بالعمل الخيري وسعيه الدؤوب على تنشيطه وتفعيله، وحرصه الشديد على تسخير الإعلام لخدمته وجلب الاهتمام به في مجتمعاتنا المسلمة، مما يعكس اهتمامه رحمه الله بالعمل الخيري الذي كان يمثل أحد محاور اهتمامه كرائد للإعلام الإسلامي؛ حيث ساهم بتأصيل رؤية منهجية لما سماه بـ" الإعلام الخيري"؛ مطالبًا من خلال هذا الطرح بتحديد منهجية علمية ومهنية في الواقع العملي ليقوم هذا الإعلام المتخصص المأمول بعدد من الوظائف الاجتماعية.


 ويقول الفقيد في مقاله "نحو تفعيل الإعلام الخيري" : يُعدّ قطاع العمل الخيري من أهم قطاعات الأعمال في المجتمعات المعاصرة. ولم يعد الإنسان اليوم محصوراً في أعمال القطاعين التقليديين الحكومي والخاص. وإذا نظرنا إلى بعض البلدان المتقدمة نجد دلائل وافرة على تزايد معدلات النمو في القطاع الخيري في العقود الأخيرة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يشكل القطاع الخيري ما نسبته 2.1% من الناتج القومي. وبلغت التبرعات النقدية والعينية التي منحها المواطنون الأمريكيون في عام 1999م للمؤسسات الخيرية أكثر من 190 مليار دولار. ولوحظ أن معدل الزيادة السنوية في تبرعات الأمريكيين يصل إلى حوالي 15 مليار دولار.


 


ثم يستطرد طاش في الاستشهاد بنموذج العمل الخيري في الدول الغربية فيشير على ان الفرد الأمريكي يحرص على التبرع بجزء من وقته ومجهوده في الأعمال التطوعية والخيرية إلى جانب التبرع بالمال. وتقول الأرقام إن متوسط الساعات الأسبوعية التي يخصصها الفرد الأمريكي للتطوع في الأعمال الخيرية يبلغ حوالي ست ساعات. وكذلك في بريطانيا توجد أكثر من 155 ألف جمعية ومؤسسة خيرية يعمل فيها مئات الآلاف من الموظفين المتفرغين والمتطوعين وتصل خدماتها إلى الملايين.


 


مجتمع الخير والعطاء


            وانطلاقًا من هذه النماذج يأكد طاش أن المجتمع السعودي يمتاز بكونه مجتمعاً خيّراً وافر العطاء الإنساني لأنه يمتح من معين الإسلام الثر ويستمد قيمه وسلوكه الاجتماعي من ذلك المعين. ثم يشير إلى معوقات الاستثمار المثالي لهذه النزعة الخيرية فيقول: وبالرغم من أصالة وعمق النزعة الخيرية لدى الفرد والجماعة في مجتمعنا إلاّ أن الملاحظ أن تحوّل هذه النزعة إلى "عمل مؤسسي منظم" لا يزال بطيء الحركة محدود الفاعلية. ومن أبرز الشواهد على ذلك أن عدد الجمعيات الخيرية المسّجلة رسمياً في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في المملكة يبلغ أكثر من مئتي جمعية فقط. ولا يزال عدد العاملين في هذه الجمعيات محدوداً جداً. وتشكو الجمعيات والمؤسسات الخيرية من أمرين؛ أولهما : شحّ الموارد وضعف الامكانات بسبب قلة التبرعات التي تصلها. وثانيهما: ضعف إقبال المواطنين والمواطنات على التطوع في أعمال ونشاطات تلك الجمعيات والمؤسسات. ويعود هذا إلى أسباب عدة يأتي على رأسها عدم وضوح وتجذر فكرة التطوع في ثقافة وسلوكيات الكثيرين في المجتمع السعودي.


 


قطاع العمل الخيري .. وقفة جادة للمراجعة


            ويرى عبد القادر طاش أن هذا الواقع القاصر هو ما يدفع الجهات المعنية بقطاع العمل الخيري سواء أكانت جهات رسمية أو غير رسمية إلى الالتفات الجاد لمعالجة هذا الواقع وتغييره نحو الأفضل. وهناك مؤشرات مشجعة وواعدة في هذا الاتجاه. وهناك محاولات حثيثة لتنمية الوعي الاجتماعي حول أهمية العمل الخيري عبر وسائل وطرق متعددة ومتنوعة. وهناك بعض التحسن في نموّ عدد الجمعيات والمؤسسات الخيرية في الأعوام الأخيرة.


            ولذلك يدعو إذا أردنا تحقيق الأهداف المنشودة من توسيع نطاق الاهتمام الرسمي والشعبي بقطاع العمل الخيري وتنمية الوعي الاجتماعي بأهمية هذا القطاع وزيادة مجالات الدعم لنشاطاته وتفعيل مشاركة الأفراد والجماعات في هذه النشاطات لابّد من إيلاء عناية خاصة للدور الهام والمؤثر لوسائل الإعلام المختلفة. إذ بدون مساهمة هذه الوسائل ومشاركتها الفعالة لن يتحقق كثير من تلك الأهداف. وتدلنا النظرة العامة لمدى مشاركة أجهزة الإعلام السعودية في قطاع العمل الخيري على أن هذه الأجهزة مقصرة كثيراً ولا تمتلك رؤية واضحة تجاه خدمة ذلك القطاع وتفتقر إلى التخطيط الواعي والمعالجة المهنية الراقية.


 


أداء الأجهزة الإعلامية


وبعد أن وضع عبد القادر طاش أصبعه على أهم مواضع الخلل – في تصوره- التي تحول دون ذيوع ثقافة العمل الخيري، قام بتلخيص أبرز الملاحظات على أداء الأجهزة الإعلامية فيما يلي :


أولاً: محدودية اهتمامها بقطاع العمل الخيري بشكل عام مع بعض التفاوت النسبي في هذا الاهتمام بين الوسائل المطبوعة كالصحف والمجلات من جهة ووسائل الإعلام المسموع والمرئي من جهة أخرى.


ثانياً: أن هذا الاهتمام رغم محدوديته يأخذ طابع "الموسمية" والوقتية ويكاد ينحصر في شهر رمضان المبارك بدلاً من أن يكون اهتماماً دائماً ومتصلاً على مدار العام.


ثالثاً: هناك غياب شبه تام لوسيلة مؤثرة وفعالة وهي التلفزيون في المشاركة في خدمة قطاع العمل الخيري.


رابعاً: يتسم الاهتمام الإعلامي – سواء على مستوى الصحافة المكتوبة أو الإعلام المرئي والمسموع – بضعف المهنية والتقليدية في تناول قضايا العمل الخيري والاقتصار على التغطيات الإخبارية والمتابعات الحديثة دون أن يكون ذلك نابعاً من رؤية شاملة أو خطة متكاملة.


خامساً: وجود فجوة اتصال بين الأجهزة الإعلامية ومؤسسات وجمعيات العمل الخيري مما نشأ عنه عدم تدفق المعلومات بين الطرفين وهشاشة العلاقة المنظمة والمثمرة بينهما.


ولا يكتفي د. طاش بإلقاء اللوم كله على الإعلام، بل يعترف من باب العدالة والإنصاف. إن القطاع الخيري – من أجهزة رسمية وجمعيات ومؤسسات أهلية – تتحمل قسطاً وافراً من المسؤولية في ضعف الاهتمام الإعلامي بقطاع العمل الخيري. إنّ الملحوظ أن هذه الأجهزة والجمعيات والمؤسسات لا تمتلك هي الأخرى رؤية واضحة للتعامل مع الإعلام لخدمة أهدافها. ومن المؤسف أن كثيراً من تلك الأجهزة والمؤسسات تنطلق في تعاملها على وسائل الإعلام من خلال المفاهيم الضيقة والمغلوطة التي ابتليت بها إدارات العلاقات العامة في القطاعات الحكومية والخاصة على حد سواء.


 


صياغة مفهوم جديد


 


 


ثم يخلص طاش مما سبق إلى أننا بحاجة ماسة إلى صياغة مفهوم جديد ومطور لما يمكن أن نسميه بـ"الإعلام الخيري" المتخصص وأن نحدد له منهجية علمية ومهنية في الواقع العملي. وذلك ليقوم الإعلام الخيري المأمول بعدد من الوظائف الاجتماعية وهي :


أولاً: تشكيل وعي اجتماعي داعم للعمل الخيري وذلك من خلال برامج إعلامية دائمة تعمل على تأصيل مفاهيم العمل الخيري وزيادة الاهتمام الشعبي به وتشجيع الانخراط فيه مشاركة ودعماً على مستوى الفرد والأسرة وعلى مستوى الشرائح الاجتماعية المختلفة رجلاً وامرأة وشاباً وطفلاً.


 


ثانياً: بناء صورة ذهنية إيجابية عن الجمعيات والمؤسسات الخيرية في المجتمع وذلك من خلال تعزيز الجوانب المشتركة في نشاطات تلك الجمعيات والمؤسسات عن طريق الفنون الإعلامية المختلفة والمتنوعة. كما أن على الإعلام الخيري أن يسهم في نقد وتصحيح الجوانب السلبية والممارسات الخاطئة في نشاطات تلك الجمعيات والمؤسسات وتسليط الضوء على مواطن القصور والتقصير. فليس مهمة الإعلام مجرد الإشادة والمديح بل لابدّ أن يقترن ذلك بالنقد والتصحيح بشرط أن يكون ذلك كله مديحاً كان أو نقداً قائماً على أسس متينة من المعلومات الموثقة والاستقصاءات الواقعية مع تحري الدقة والإنصاف والبعد عن التهويل والمبالغة ونوازع الإثارة الممجوجة.


 


ثالثاً: المساهمة الفعالة في تنظيم وتنفيذ حملات إعلامية لجمع التبرعات للأعمال الخيرية. إذ تعدّ حملات جمع التبرعات من أنجع الوسائل لدعم العمل الخيري وتوسيع آفاقه. ولقد أصبح من الضروري تخصيص أيام سنوية لجمع التبرعات على هيئة حملة وطنية عامة أو على هيئة حملات مخصصة لكل منطقة من مناطق المملكة أو على هيئة حملات مخصصة لكل نشاط من نشاطات الجمعيات والمؤسسات الخيرية.


 


            ولتحقيق ذلك كله نقترح إنشاء لجنة وطنية للإعلام الخيري تضم نخبة من الخبراء والمتخصصين والمهتمين بشؤون الإعلام الخيري ومندوبين من بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية وممثلين لمختلف أجهزة ووسائل الإعلام السعودية. وتكون مهمة هذه اللجنة وضع استراتيجية وطنية للإعلام الخيري وصياغة خطط عملية لحملات إعلامية لدعم العمل الخيري وتفعيل الدور الإعلامي للجمعيات والمؤسسات الخيرية وتوثيق العلاقة بينها وبين أجهزة الإعلام وتنمية مجالات التعاون معها. ويمكن أن تنبثق من هذه اللجنة الوطنية لجان فرعية تعمل في المناطق والمحافظات.


 


بعد الحادي عشر من سبتمبر


 


وفي معرض دفاعه الموضوعي الذي ينطلق من إطار التقويم والنقد الذاتي البناء، إبان الحملة الشعواء على العمل الخيري كتب عبد القادر طاش مقالاً بعنوان "العمل الخيري الإسلامي... حانت ساعة المراجعة لمواجهة التحديات" بدأها بطرح هذه التساؤلات: لماذا يبدو إحساسنا بالمخاطر أثناء فترة الأزمات ضعيفاً جداً أو لا يكاد يوجد؟ وهل نحن فعلاً أمة ضعيفة الاستجابة للتحديات ننتظر حتى تقع الكارثة ثم نبدأ التفكير في مواجهتها؟ وما الذي يجعلنا كذلك، أهو نقص المعلومات وقلة الخبرة وهبوط الفاعلية، أم هو إحساسنا بعدم الجدوى واستيلاء مشاعر الإحباط واليأس على أقطار نفوسنا؟ 0


 


ثم يتناول طاش واحداً من شواهد كثيرة في واقعنا المعاصر للتدليل على ذلك. فلقد واجه العمل الخيري الإسلامي المنطلق من هذه البلاد حملة عدائية شعواء قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. بدأت الحملة منذ سنوات باتهام بعض المنظمات الخيرية الإسلامية السعودية بأن لها علاقة بمنظمات إرهابية، وأن بعض مكاتبها وأفرادها يقومون بنشاطات مشبوهة تصب في خانة تلك المنظمات، وكانت استجابة الهيئات المتهمة ضعيفة وغير فعالة في الرد على تلك الاتهامات وتفنيدها. حيث لاذ بعضها بالصمت المريب، واكتفى بعضها الآخر بإصدار بيانات إنشائية تدفع فيها عن نفسها التهم، وتصف محاولات الاتهام بأنها مؤامرات للنيل من العمل الخيري الإسلامي وتشويه صورته.


وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتضع المنظمات والهيئات والمؤسسات الخيرية الإغاثية والدعوية السعودية كلها في قفص الاتهام. وتوالت الحملات الشرسة عليها دون توقف وكان من آخرها تلك الدعوى المقامة من أقارب ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي طالت أكبر هيئات ومؤسسات دعوية وخيرية في المملكة العربية السعودية هي: رابطة العالم الإسلامي، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومؤسسة الحرمين الخيرية.


 


حملة شعواء لم تتوقف



ثم يشير الدكتور طاش إلى أن الحملة لم تتوقف بعد. بل هي على أشدها اليوم، ولم تعد مقتصرة على الساحة الإعلامية والقضائية فحسب بل امتدت إلى الدوائر السياسية وصناعة القرار في الكونجرس وغيره. وآخر الشواهد على اشتداد الحملة الوثيقة التي قدمها السيناتور الأمريكي وينر في شهر نوفمبر الماضي تحت مسمى:" مذكرة محاسبة السعودية 2003م" وهي وثيقة خطيرة نعرض لها باختصار، فهي تستند أولاً إلى أن السعودية قامت ولا تزال بتمويل الإرهابيين وأنها المصدر الرئيس الهام في دعم الإرهاب من خلال أشخاص وجمعيات خيرية مقرها السعودية، وأن المسؤولين السعوديين غضوا أعينهم عن هذه المشكلة لسنوات.



وتستشهد الوثيقة في تأسيسها لهذا الحكم بعدة تقارير إعلامية واستخباراتية منها تقرير المعهد الإعلامي للشرق الأوسط في 3 يوليو 2003 الذي يشير إلى أن المنظمات الخيرية التي تدعمها السعودية مررت ما يزيد على 4 مليارات دولار لدعم الانتفاضة الفلسطينية. وأغلب هذه المساعدات كانت موجهة لحماس ولعوائل منفذي الهجمات الانتحارية لدعم ومكافأة المنتحرين مباشرة. ويذكر تقرير آخر أن ""العديد من المعاهد الدينية التي تدعمها السعودية والنشرات التي توزعها هذه المعاهد تعلم رسالة الكراهية وعدم تحمل الآخرين وتقديم أساسيات أيديولوجية للإرهاب المناوئ للغرب". ويختتم بتقرير آخر ورد فيه أن الأمين العام لوزارة الخزانة الأمريكية ديفيد أوفهاوسر قال في جلسة استماع للكونجرس (يوليو 2003) : " إن السعودية في العديد من القضايا تمثل المركز الرئيس لتمويل الإرهاب".


 


مطالب وثيقة وينر



ثم يستعرض طاش أهم مطالب الوثيقة؛ وهي أن يقوم الكونجرس بإصدار قرار يطالب الحكومة السعودية أن تقوم في الحال ودون شروط بتنفيذ عدد من المطالب في هذا الاتجاه نذكر منها ما يتعلق بالعمل الخيري والدعوي فقط. وهي:
*
إغلاق الجمعيات الخيرية والمدارس والمنظمات الأخرى والمعاهد في السعودية التي تدعم أو تدرب أو تحرض أو تساعد الإرهاب في أي مكان في العالم إغلاقاً تاماً.
*
إيقاف الدعم والتمويل السعودي للجمعيات الخيرية والمدارس وأي منظمات أو معاهد خارج السعودية تقوم بتدريب أو التحريض أو التشجيع على الإرهاب أو تحرض عليه في أي مكان في العالم.
*
وقف كل الدعم الذي يقدمه أشخاص سعوديون أو هيئات سعودية لأية منظمة إرهابية مقرها السعودية أو شاطئية أي خارجها. وترى الوثيقة أن على الرئيس الأمريكي أن يقوم بمعاقبة السعودية في حال عدم رضوخها واستجابتها لتلك المطالب بمنع الصادرات الأمريكية للسعودية، والحد من تحرك الدبلوماسيين السعوديين في أمريكا.


توصيات موضوعية لمؤسسات العمل الخيري



هذه باختصار وثيقة السيناتور وينر وهي واضحة كل الوضوح في مراميها وأهدافها لتجفيف منابع العمل الخيري الإسلامي وتشويه صورته ومحاولة هدمه تماماً وليس مجرد إعادة النظر فيه. فهل نأمل الآن ألا يكون تعامل الهيئات والمؤسسات الخيرية والإغاثية السعودية مع هذه الحملة كما كان في المرات السابقة؟


إن مجرد إنكار التهم بكلام إنشائي عاطفي لا يجدي شيئاً. وإن الاكتفاء بتبرئة الساحة بإصدار البيانات المنددة بالحملة والتشكيك في نوايا من يقفون وراءها لن يقدم أو يؤخر. إن المطلوب هو أن تتحرك هذه المنظمات والهيئات سريعاً ودون تباطؤ وأن يكون تحركها جماعياً وفردياً على حد سواء. عليها أن تستشعر مدى الخطر الذي يواجهها في الحاضر والمستقبل، وأن تحلل أسباب المشكلة وعواملها بعيداً عن العواطف. وأن تضع الخطط الكفيلة بمحاصرة هذه المشكلة ومعالجتها على نحو عملي فعال، وأن يعتمد في كل ذلك على الرؤية البصيرة والمعالجة الحكيمة وسياسة النفس الطويل.



وإن أول ما ينبغي على هذه الهيئات والمؤسسات عمله هو أن تغير من استراتيجية مواجهتها لهذه الحملات المنكرة. عليها أن تكف فوراً عن اعتماد استراتيجية"الرفض والمؤامرة" إن النظر إلى ما يجري الآن من أحداث وفق نظرية المؤامرة وحدها خطأ فادح. كما أن الاستمرار في التعامل مع هذه الحملات بأسلوب الرفض المطلق وتبرئة الذات سيزيد الأمر سوءاً ولن يحقق النتيجة المرجوة.
إننا ندعو المنظمات والهيئات الخيرية والإغاثية الإسلامية إلى اعتماد استراتيجية جديدة يمكن تسميتها باستراتيجية "التحديات والفرص" وهي تختلف كلياً عن استراتيجية "الرفض والمؤامرة" فهي تقوم على عنصرين متكاملين كلاهما إيجابي. أحدهما : النظر إلى هذه الحملات بعضها "تحدياً" وليس " مؤامرة".


ولذلك على هذه الهيئات والمنظمات أن تقابل التحدي بشكل إيجابي وتتعامل مع معطياته بطريقة منهجية وواقعية بعيداً عن الانفعالات الوقتية التي لم تكن يوماً قادرة على مواجهة التحديات الصعبة.


أما العنصر الآخر في الاستراتيجية الجديدة فهو اعتبار هذه الحملات بمثابة"فرص" ينبغي اغتنامها لا تفويتها. فالهيئات والمنظمات الخيرية الإسلامية والسعودية بوجه خاص أصبحت اليوم في بؤرة اهتمام الرأي العام العالمي. وهذا يمثل فرصة ذهبية ينبغي استثمارها إلى أبعد مدى بالتخطيط المحكم والتنفيذ الذكي اللذين يحولان هذه الحملات من خانة الخسارة إلى خانة الربح أو تقليل الخسائر على أقل تقدير.


 


استراتيجية المواجهة


ويرى الدكتور عبد القادر طاش أن تحويل هذه الاستراتيجية الجديدة إلى واقع عملي يتطلب عملاً دؤوباً وجاداً وبالغ الإتقان في ثلاث جبهات على الأقل: الجبهة الأولى تتمثل في إعادة النظر في مناهج وتطبيقات العمل الخيري والإغاثي في المنظمات والهيئات الإسلامية. هذا هو أوان المراجعة وتوسيع مفهوم ونطاق العمل الخيري الإسلامي ليكون"إنساني الوجه والتوجه" ويخفف الطابع الديني والدعوي لهذا العمل.


وهذا يستلزم تغييراً جوهرياً في الرؤى والآليات. ولا شك أن مخططي ومسؤولي تلك المنظمات والهيئات أقدر منا على تصور متطلبات مثل هذا التغيير في الوجهة والمنهج.



الجبهة الثانية تتعلق بالجوانب التنظيمية والقانونية للعمل الخيري الإسلامي. ولا يكفي الآن أن نستسلم للحماس وننسى التقنين وضبط الأمور. إن المطلوب أن نحمي العمل الخيري الإسلامي بسياج متين من الانضباط التنظيمي والقانوني لكي نبعد عنه الشبهات ونسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الذين يريدون الإساءة إلى العمل الخيري الإسلامي سواء من أبنائه أو أعدائه.



إن على المنظمات والهيئات الخيرية السعودية أن تولي مسألة الرد على الاتهامات الحالية الموجهة إليها والدعاوى المرفوعة ضدها في المحاكم الأمريكية اهتماماً بالغاً ولا تستهين بذلك أو تقلل من شأنه. عليها أن تفعل ذلك من خلال عمل قانوني جماعي يتولاه أهل الخبرة والاختصاص مهما كلف الأمر.



أما الجبهة الثالثة فهي الجبهة الإعلامية وكيفية التعامل مع الرأي العام المحلي والعالمي على حد سواء. لقد أهملت المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية التعامل مع الإعلام والعلاقات العامة على نحو مؤسف أضر كثيراً بها وبسمعتها وبصورتها الذهنية. وإذا كانت قد أهملت ذلك في الأوقات الطبيعية فإنها لم تحسن هذا التعامل مع الإعلام في الأوقات العصيبة كالتي تمر بها الآن.


عود على بدء


وفي نهاية مقاله الهام والمطول يكرر طاش ما نبه عليه في المقال السابق مشيرًا إلى إن العمل