الشيخ عبد العزيز بن باز ..تبرع بجائزة الملك فيصل العالمية لدار الحديث الخيرية بمكة

الشيخ عبد العزيز بن باز.. أخلاق ربانية لا تهدف إلى مقاصد مادية


تبرع بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة


لم يسأل عن راتبه ولا عن مقداره ولا عن وقته  ولا عن انتدابه أو عن رصيده أو حسابه ولم يتكلم ببيع ولا شراء أو أمر من أمور الدنيا


أشهر مزاياه الأخلاقية إحسانه إلى الناس، وبذل المعروف لمن يقصده


ولي صالح وعبد صادق رقيق القلب كثير الذكر سريع الدمعة


مداد  -  محمد خضر الشريف


 لا يختلف اثنان أن الشيخ عبد العزيز بن باز - يرحمه الله - أحد رجالات العلم والدعوة وحب الخير والعمل في مضماره، وأنه كان أمة وحدة في مجال الدعوة والعمل الخيري والإفتاء، وقد اتفق الجميع على أنه الإمام العالم العلامة الصالح الورع الزاهد، أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي، انتفع به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في الفتوى والعلم ، وأنه أيضا ناصر السنة وقامع البدعة،


وينسب  الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله إلى آل باز ــ  وآل باز ـ أسرة عريقة في العلم إلى جانب التجارة والزراعة، معروفة بالفضل والأخلاق.


ومن أعيان هذه الأسرة الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز المتوفى سنة 1342هـ الذي تولى القضاء بالحوطة ثم الإرشاد في هجرة الأرطاوية . والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز، والشيخ حسين بن عثمان بن باز، وقد تولوا القضاء في عدد من مناطق المملكة .


ويرجع  أصل هذه الأسرة إلى المدينة المنورة، وقد انتقل أحد أجدادهم منها إلى الدرعية ثم انتقلوا بعد ذلك إلى حوطة بني تميم واستقروا فيها .


يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عائلته : إن أصلهم من الرياض، وطائفة منهم في الحوطة، وطائفة في الأحساء، وطائفة في الحجاز، وكلهم يرجعون لنفس العائلة، وهناك أناس يقال لهم : آل باز في الأردن، ومصر وفي بلاد العجم ولا نعرف عنهم شيئاً، ولكن بعضهم يدّعي أنه من آل البيت وهم الموجودون في الأردن .


ولد الشيخ في مدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ، وترعرع فيها وشب وكبر فيها.


ونشأ – يرحمه الله- في أسرة يغلب على الكثير من فضلائها طلب العلم وعلى بعضها عمل التجارة، والبعض العناية بالزراعة، ونشأ يتيماً في حضانة والدته: هيا بنت عثمان بن عبدالله الخزيم، فوالده توفي في ذي القعدة من عام 1333هـ وعمره ثلاث سنوات، وقد اعتنت به والدته، وخاصة في توجيهه إلى طلب العلم الشرعي منذ نشأته، وكانت البيئة التعليمية في ذلك الوقت عامرة بالعلم الشرعي عن طريق التعليم في المساجد والكتاتيب، فبدأ الشيخ تعليمه بحفظ القرآن الكريم كما هي عادة السلف الصالح، إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية، فيحفظونه ويتدبرونه، ويعون أحكامه وتفاسيره، ومن ثم ينطلقون إلى بقية العلوم الشرعية، وقد كان الشيخ مبصراً في أول حياته، ثم أصابه المرض في عينيه عام 1346هـ ثم ذهب بصره بالكلية في عام 1350هـ وهو ابن عشرين عاماً تقريباً، ومع ذلك كله استمر في طلب العلم، ثم فجع بوفاة والدته عام 1356هـ ومع ذلك صبر الشيخ في طلب العلم والتزود من العلوم والمعارف.


عبادته وزهده


كان  الشيخ ابن باز -رحمه الله - كثير التعبد والتنفل، وكان مثالاً يحتذى به في حرصه على العبادة، وفي تبكيره إلى المسجد، وفي محافظته على السنن والرواتب وعلى الأذكار في كل الأحوال.


فالشيخ، ولي صالح وعبد صادق، رقيق القلب كثير الذكر، سريع الدمعة يقول عنه الشيخ عبدالله المجلي أحد أبرز الملازمين له ( إن الشيخ ابن باز عابد زاهد ورع صوّام قوّام، كثير العبادة والاستغفار، شديد الخوف من الله لا يترك باب طاعة إلا يسلكه، ولا عمل خير إلا ويسير فيه، متمسك بالسنة مطبق لها في كل جوانب حياته، فهو بحق يمثل الإسلام كله في حياته .. فهو يداوم على قيام الليل، والسنن والرواتب، وسنة الضحى وغيرها وجميع الأذكار، حج اثنتين وخمسين حجة، وكان يزور المرضى ويشيع الجنائز ويصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، ويختم القرآن كل ثلاث أو أربع ليال على الرغم من كثرة مشاغله وأعبائه العلمية.


 ومن حرصه على وقته أنه لا يجعله يذهب إلا وهو في عبادة تقربه من الله عز وجل سواء كان في السيارة، أو في العمل، أو في بيته.


يقول الدكتور ناصر الزهراني إمام جامع الشيخ ابن باز في مكة المكرمة: (الشيخ ابن باز لا يفتر لسانه من ذكر الله أبداً، بل لقد كنت أرقبه وهو يرد على المتصلين، فأراه في أثناء انصاته لحديث المتصل يلهج بالذكر وبعد الصلوات لا يقوم من مصلاه إلا وقد أتى بالأذكار كلها، فلقد كانت محبة الله وعظمته والتعلق به ظاهرة جلية ينطق بها لسانه، ويخفق بها جنانه ويسطرها بنانه وهذا سر من أسرار التوفيق في حياته، والبركة في عمره وعلمه).


ومن زهده أيضاً : تبرعه بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة . وقد نال الشيخ الجائزة عام 1402هـ وذلك بقرار لجنة الجائزة رقم 11/68/89 وتاريخ 10/8/1398هـ وقد ذكرت اللجنة أسباب نيل الجائزة وذلك لخدماته الجليلة المتمثلة في خدمة الإسلام والمسلمين .


ويقول عنه تلميذه الشيخ عبدالعزيز السدحان: (إن الشيخ ابن باز في هذا العصر ضرب لنا مثلاً عجيباً في زهده في الدنيا، فعلى رغم ما بلغ من المنصب والجاه واحترام جميع طبقات المجتمع له، مع هذا كله فقد كان مسخرّاً ذلك لنفع المسلمين ، ومن تواضعه وزهده أنه لا يحتاج في تنقله اصطحاب موكب رسمي يرافقه ) .


وذكر عنه مدير مكتب منزله الشيخ محمد بن موسى فقال : ( لا يكاد يُعرف في زماننا أزهد من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، مع أن الدنيا تقبل عليه وتتزين له إلا أنه زاهد فيها، مشيح بوجهه عنها، فلا أذكر يوماً من الأيام أنه سال عن راتبه، ولا عن مقداره، ولا عن زيادته، ولا عن وقت مجيئه، ولا أذكر أنه سأل عن انتدابه أو عن رصيده أو حسابه ولا أذكر أنه تكلم ببيع ولا شراء، أو أمر من أمور الدنيا، بل كان كثير الوصية بالتحذير من الاغترار بالدنيا وسماحته كان يعيش عيشة القناعة والزهد والكفاف، فلم يكن يتطلع إلى مال أو جاه أو منصب، بل كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر ، وكان زاهداً بالجاه والمراتب والمديح وحب الذكر، وكان يكره الحديث في تغيير أثاث منزله أو سيارته، ومما يدل على زهده كثرة إنفاقه وأسقاط الدين عمن اقترض منه ولو كان كثيراً، ومن صور زهده، زهده في المديح والإطراء فإذا قرأنا عليه الرسالة التي تفيض بالحب والدعاء والثناء على سماحته قال لنا: اتركوا المقدمة إقرءوا المقصود، وماذا يريد صاحبها؟ أنا لا أحب أن أسمع مثل هذا الكلام وإذا مدح تغير وجهه وقال : الله يتوب على الجميع، الله يستعملنا وإياكم فيما يرضيه.


ولهذا قيل عنه:


وزهده في الدنيا لو أن ابن أدهم          رآه ارتأى فيه المشقة والعسرا


وكم رامت الدنيــا تحـل فــــــؤاده         فأبدى لها نكرّا وأوسعها هجــراً


 


أخلاقه وأعماله


كان الشيخ على قدر عظيم من حسن الخلق، حتى أصبح من سجيته يتعامل به دون أي تكلف أو تصنع، فأخلاقه ربانية لا تهدف إلى مقاصد مادية بل هي موافقة للشرع المطهر، اتخذ من محمد صلى الله عليه وسلم  أسوة وقدوة تمثلت في تطبيقه للسنة النبوية علماً وعملاً، فقد تميز رحمه الله برحابة الصدر وسعة البال، فكان يستقبل الناس صغيرهم وكبيرهم ، جاهلهم وعالمهم، حاكمهم ومحكومهم، بتواضع جم وأدب رفيع، فهو لا يغضب عند كثرة الأسئلة أو الاستفسارات ويتعامل مع الضعفاء والجهال بكل حلم، كما أنه يصبر على الزحام وعلى مضايقات بعض النفوس الضعيفة وعلى كثرة إلحاحهم، لأنه يحمل قلباً رحيماً عطوفاً على الجميع، لا فظاً ولا غليظاً، هين لين ، خالق الناس بخلق حسن فالخلق صورة الإنسان الباطنية، وهو أساس الفضائل وينبوع المكارم وعين الكمال، ضبط الشيخ أخلاقه بضابط الشرع، ووزنها بميزان الدين.


ومن أشهر مزاياه الأخلاقية: إحسانه إلى الناس، وبذل المعروف، والصدق والوضوح، والصراحة مهما كان الأمر، وقد اشتهر بالأمانة على دين الله، فإذا قال ابن باز قولاً اطمأنت النفوس وهدأت الجوانح إلى قوله، واشتهر بالأمانة على أموال الناس فكانت تدفع له الصدقات والتبرعات وغيرها ليصرفها لمستحقيها ، وما ذلك إلا لثقتهم به، واشتهر أيضاً بالحلم فقد كان حليماً صابراً متجلداً، يحبس نفسه ويكظم غيظه، ويضبط حنقه بالذكر والدعاء حتى ينطفى ما وقع له.


وبالجملة فقد كان رحمه الله حريصا على السنة ملازماً للأدب، رحب الصدر، طويل الحلم، أريحي النفس، حسن الظن عظيم الرجاء واسع الفأل متوكلاً على الله، مجتهداً في الأسباب، غيوراً على الحرمات رحيماً بالناس رفيقاً بهم، لطيفاً معهم، عطوفاً عليهم، راغباً في قضاء حوائجهم، ناصحاً لهم مكرماً إياهم، محسناً إليهم، حريصاً على هدايتهم مشتغلاً بنفعهم، فهو أنفع الناس للناس.


فهذه الأخلاق التي تجلت في شخص ابن باز مدارها على القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، حيث نشأ عليها متعلماً وعاملاً معلماً، فسارت في حياته كما يسير الدم في جسمه، وكيف لا! وسميره كتاب الله، ومبيته مناجاة لله، ونهاره دعوة إلى الله، فرحمه الله رحمة واسعة.


أعماله 


كان للشيخ إسهامات عظيمة في كل أعماله التي تولاها، وبصمات واضحة منذ توليه القضاء حتى الإفتاء، وقد تدرجت مسيرته مع العلم والعطاء خلال عدة محطات رئيسة، قدم فيها القدوة والمثال، واكتسب كثيراً من الخبرات التي أضافت لشخصيته أبعاداً أكثر شمولية، فأول عمل تولاه:


§      القضاء في الدلم عام 1357هـ  في جمادى الآخرة واستمر فيه حتى عام 1371هـ  وكان طيلة تلك المدة بالإضافة إلى القضاء يقوم بإمامة الناس والإصلاح بينهم وتفقد أحوالهم وتدريس الطلبة، فتخرج على يديه الكثير من طلبة العلم الذين تبوأوا مناصب مهمة بعد ذلك.


§      بعد افتتاح المعاهد العلمية بالرياض، انتقل للعمل مدرساً فيها وذلك عام 1372هـ ولمدة سنة واحدة، وبعدها انتقل للتدريس في كلية الشريعة في الرياض عام 1373هـ ليمضي بها سبع سنوات، وكان في تلك الفترة يؤم المصلين في جامع الإمام تركي بن عبدالله، ويقوم بإلقاء الدروس في المسجد وفي بيته، ويلقي المحاضرات والكلمات المتنوعة في المناسبات وغيرها.


§      وفي عام 1381هـ انتقل إلى المدينة النبوية عند افتتاح الجامع الإسلامية وذلك بأمر من شيخه محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية آنذاك، ليكون نائباً له في إدارة الجامعة، ثم تولى إدارة الجامعة نفسها في عام 1390هـ بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حتى عام 1395هـ وكان خلال وجوده بالمدينة النبوية يلقي الدروس في المسجد النبوي بالإضافة إلى المحاضرات والكلمات والندوات، ويشارك في الكتابة من خلال الصحف المجلات .


§      وفي عام 1395هـ في شوال صدر الأمر الملكي بتعينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير، فرجع إلى الرياض وتولى إمامة جامع الإمام تركي، وكان في الوقت نفسه رئيساً للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومجلس المجمع الفقهي، والمجلس الأعلى العالمي للمساجد.


§      وفي عام 1413هـ صدر الأمر السامي بتعينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية، ورئيساً لهيئة كبار العلماء، ورئيساً للجنة الدائمة للبحوث العلمية ورئيساً لرابطة العالم الإسلامي، بالإضافة إلى ترؤسه لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.


أما العضويات التي شارك فيها فمنها:


§      عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ورئاستها حال غياب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية.


§           عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية.


§           عضوية المجلس الاستشاري للندوة العالمية للشباب الإسلامي .


§           عضوية الصندوق الدائم للتنمية الشبابية.


هذه بعض أعماله الرسمية، أما أعماله الخيرية التطوعية فله جهود دعوية كثيرة لجميع المؤسسات والمراكز الإسلامية المنتشرة في كافة أنحاء العالم، كما أن له دعمه الملموس للجهاد الإسلامي، واهتمامات بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم الخيرية ودعم الدعاة ومساعدتهم وكفالتهم، كما أن له اهتماماً بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمساهمة في بناء المساجد وغير ذلك،  وهاك المزيد  من التفصيل في جهوده الدعوية .


كما تولى رحمه الله رئاسة العديد من المؤتمرات العالمية التي عقدت بالمملكة العربية السعودية، والتي مهدت له ويسرت أمامه سبل الاتصال بالكثير من الدعاة ورجال العلم، وزعماء التجمعات الإسلامية، والشخصيات البارزة في حقل الدعوة الإسلامية, ومعرفة قضايا المسلمين في كل أنحاء العالم.


دروسه 


كان الشيخ حريصاً كل الحرص على نشر العلم، وتبليغ دين الله سواء كان عن طريق المواعظ أو الخطب أو الدروس العلمية التي تعقد له، فتدريسه للعلم ونشره أصل في منهاجه الدعوي والعلمي، وطريقه في الإصلاح والتغيير والبناء.


فطريقة الشيخ رحمه الله في دروسه امتداداً لمنهج السلف الصالح في العناية بالعلم الشرعي وتأصيله ونشره وتربية الناس عليه، وتصحيح عقائدهم والعمل على تنشئة علماء ربانين يحملون أنوار الشريعة الإسلامية، وينشرونها في الأرض ويقومون بالدعوة إلى الله على هدى وبصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة


دروس الشيخ كانت على أربع مراحل:


المرحلة الأولى:


بعد توليه القضاء في الدلم عام 1357هـ إلى عام 1371هـ كان نشر العلم أول اهتماماته، وذلك إلى جانب عمله بالقضاء، حيث عقد الشيخ حلقات للتدريس في الجامع الكبيرة، فأخذ طلاب العلم يتوافدون عليه من كل مكان حتى من بعض الأقطار المجاورة، من اليمن وفلسطين والعراق والحبشة وغيرها فازداد عدد الطلاب، مما جعل الشيخ يهتم بهم، وذلك أنه أولاهم عناية فائقة في السكن والتدريس، وأعطاهم الوقت الكافي لتعليمهم، حيث قسم أوقاته بين القضاء والتدريس، فعقد لهم حلقتين في الجامع الكبير، إحداهما بعد صلاة الفجر: في التوحيد والفقه والحديث والنحو والتفسير، والثانية: بعد صلاة المغرب في الفرائض، وبعد أذان العشاء يبدأ في درس آخر في التفسير كتفسير ابن كثير، وكانت هناك حلقتان بعد صلاة الظهر وبعد صلاة العصر.


المرحلة الثانية:


في مدينة الرياض عندما انتقل إليها بالمعهد العلمي ثم كلية الشريعة، حيث نظم خلال هذه الفترة دروساً لطلابه وكان ذلك من عام 1371هـ حتى سنة 1380هـ ودرس في الجامعة ثلاثة فنون: الفقه والتوحيد والحديث.


فكان مثالاً لرحابة الصدر حيث اعتنى بتوضيح المسائل، وتربية الطلاب على طريقة الترجيح، ولاسيما إذا كانت مواطن الدرس في كل من الحديث والفقه متفقة.


فمثلاً : يدرس باب الزكاة في الفقه وباب الزكاة في الحديث، فإذا كانت حصة الفقه قرر المسألة على مذهب الحنابلة بدليلها عندهم، وإذا كان درس الحديث قرر المسألة على ما تنص عليه الأحاديث، فإن وافق المذهب كان تأييداً له، وإذا خالفه أشار إلى وجه الترجيح، ودعا إلى الأخذ بما يسانده الدليل دون تعصب لمذهب معين.


وامتاز الشيخ وقتها بالاشتغال بكتب الحديث، وخاصة بلوغ المرام، بالإضافة إلى تزهة النظر في شرح نخبة الفكر وغيرها.


أما كتب الحديث التي قام بتدريسها فهي كما قال ذلك عن نفسه: فواقع تدريسي في الحديث، درس في الصحيحين، ودرس في سنن أبي داود وسنن الترمذي، ودرس في سنن النسائي، ودرس أيضاً في سنن ابن ماجة، ودرس في سنن الدارمي، ودرس في مسند الإمام أحمد، ودرس في فتح الرباني للساعاتي.أهـ وغير ذلك من الدروس، حيث اجتمع عليه خلالها أفاضل الطلاب وخيار التلاميذ.


المرحلة الثالثة :


في مدينة الرسول r وذلك من عام 1381هـ حتى عام 1395 هـ عندما كُلف من شيخه محمد بن إبراهيم بتولي إدارة الجامعة وتأسيسها هناك، حيث رتب في هذه المرحلة دروسه في الجامعة والحرم النبوي حيث كانت الجامعة تستقطب أخلاطاً من جنسيات إسلامية متنوعة تتوافد إليها من كل مكان، بالإضافة إلى جم غفير من المقيمين والحجاج والمعتمرين والزائرين والطلاب الوافدين للجامعة، وهذه المرحلة تعتبر أفضل مراحل حياته حيث اجتمع له ما لم يكن من قبل من العلوم والمعارف والعلاقات والاتصالات.


المرحلة الرابعة:


في مسقط رأسه بمدينة الرياض بعد أن عاد إليها مرة ثانية رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ثم مفتي عام للمملكة العربية السعودية، وبرتبة وزير، وذلك من عام 1395هـ حتى توفاه الله، قام خلالها تنظيم الحلقات العلمية، فاجتمع له جم غفير لا يحصى من الطلاب وذلك بالجامع الكبير بالرياض، وانتظمت هذه الدروس على هذا النحو ما يقارب، أربعة أيام في الأسبوع، كلها بعد الفجر يوم الأحد والاثنين والأربعاء والخميس، ثم زاد درساً خامساً بعد الجمعة في منزله والدروس المسائية يوم الأحد بعد المغرب وبعد صلاة العصر وبين الأذان والإقامة من صلاة العشاء وتنقل معه هذه الدروس عند ذهابه للحج في مكة المكرمة وبعدها إلى الطائف فيزداد الإقبال على الدروس في الصيف وذلك لكثرة المصطافين بها، فقرئ عليه كتب كثيرة منها الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك وسنن الدارمي وصحيح ابن حبان، وتفسير ابن كثير، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، والأصول الثلاثة مع كتاب التوحيد وكشف الشبهات وفتح المجيد، وشروط الصلاة، والقواعد الأربع، ومسائل كتاب التوحيد كلها للإمام محمد بن عبدالوهاب قرئت عليه مرات كثيرة وكذلك الدرر السنية في الأجوبة النجدية لابن القاسم النجدي وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، وجلاء الأفهام لابن القيم بالإضافة إلى الوابل الصيب ومفتاح دار السعادة، وشرح السنة للبغوي، وإرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل للألباني، ومنتقى الأخبار لجد شيخ الإسلام المجد ابن تيمية، والإحكام شرح أصول الأحكام للشيخ ابن قاسم النجدي، نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر، والاستقامة لابن تيمية، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر والفتوى الحموية لابن تيمية، والسنن الكبرى للنسائي والعقيدة الطحاوية والرحبية في الفرائض، ورياض الصالحين للنووي، والألفية في الحديث للحافظ العراقي، والفوائد الجلية في المباحث الفرضية لابن باز وعمدة الأحكام للحافظ عبدالغني المقدسي، والبداية والنهاية للحافظ ابن كثير وكتاب التوحيد لابن خزيمة، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ووظائف رمضان الملخص من لطائف المعارف للحافظ ابن رجب من تلخيص وزيادة الشيخ عبدالرحمن ابن محمد بن قاسم، وهناك كتب مساندة كتقريب التهذيب والكاشف للذهبي والقاموس للفيروزبادي وغيرها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الاسلام ابن تيمية، وتفسير البغوي، والبداية والنهاية لابن كثير بالإضافة إلى الفتاوى بعد كل درس سواء كانت عامة أو خاصة تتعلق بالدروس كالمسائل العلمية وغيرها.


وكان الشيخ رحمه الله مثالاً حياً في تدريس الطلاب وإيراد الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم المحققين، كما امتاز بحرصه الشديد في دروسه من حيث إيصال المعلومات للدارسين بطريقة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض، فهو قليل الخروج عن الدرس، وكثيراً ما يترحم ويدعو لأهل العلم ويمتاز أيضاً في دروسه بالتحقيق العلمي في المسائل، والتبصر في الأحكام، وعند ورود إشكال في مسألة من المسائل، أو شك في الحكم على راو، وعد طلابه بمراجعة الموضوع والمزيد من التأمل والنظر في مراجعته مرة أخرى، وإذا سئل ولم يتضح السؤال أو المراد منه طلب إعادة السؤال مرة أخرى، أو استفصل منه عند الحاجة، ومن عطفه على طلابه وحسن خلقه أنه لا يغضب عند مداخلاتهم أثناء شرح الدرس أو التعليق عليه أو الإجابة على الأسئلة.


جهوده الدعوية


للشيخ ابن باز قدم راسخة في الدعوة إلى الله عز وجل، فالدعوة تجري في عروق الشيخ، فكل وقته دعوة إلى الله، وهم الدعوة وتبليغ دين الله وإرشاد الناس ونفعهم أطار النوم من عينه، فمن قبيل الفجر إلى هزيع من الليل يستوي في ذلك أيام الجمع والعيدين وغيرها صيفاً وشتاء مقيماً مسافراً، بل حتى قبيل وفاته بأربع ساعات فقط كان جالساً للناس في منزله يرد على أسئلة المستفتين وعلى الرسائل والخطابات، وقضايا الطلاق، وسخر ماله وجهده ووقته في سبيل الدعوة إلى الله، وما كان عمله ينتهي بمجرد مغادرته مقر العمل، فهو يعمل في أكثر وقته، في مقر عمله، وفي منزله ومسجده وأثناء سيره على قدميه أو على سيارته أو حتى في الطائرة بل وهو على سرير المستشفى وفي أشد حالات مرضه يقول لمرافقيه : (أقرءوا علي رسائل الناس وأسئلتهم)، ومع ذلك لا يوجد وقت لديه إلا وشغله بوظيفة لله، فكل أرض وطأها قام فيها بواجب الدعوة إلى الله وكل مسجد أدركته فيه الصلاة أدركه خير من دعوته ووعظه، وكل مجلس جلس عطره بذكر الله والدعوة إليه.


لقد قام بالدعوة واعظاً ومرشداً، ومحاضراً معلماً، ومحتسباً ومصلحاً، وقدوة وإماماً، ومشجعاً ومعيناً، ومؤيداً ونصيراً، همة عالية يعجز عنها الجم الغفير من الناس، عمل 58 سنة لم يأخذ إجازة واحدة، استطاع أن يتعامل مع الناس في الداخل والخارج على اختلاف أعمارهم وثقافتهم ومناطقهم، فهو قمة في العطاء العلمي، وذروة في التدقيق الفقهي، وسنام في العون الخيري، نفس مؤمنة لا يساومها سأم وهي تتلذذ بالذكر وتتقوى بالطاعة، إنه وجد في الدعوة والعمل راحة وفي العطاء سعادة وفي البذل حبوراً، وفي العون بهجة، وعندما أشاروا عليه بأخذ إجازة من العمل الوظيفي للراحة قال 0 الراحة في الجنة إن شاء الله) .


تجاوزت همومه بلده وذلك بوقوفه مع كل المسلمين في أقطار الأرض، نشر دعوته أيضاً عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، فقد التزم رحمه الله بالعناية في المشاركة في الصحف بالمواعظ والتوجيهات وعن طريق الإذاعة منذ ربع قرن من الزمان يقدم فيه فتاوى (نور على الدرب) وشرح كتاب (المنتقى من أخبار المصطفى) لمجد الدين أبي البركات عبدالسلام ابن تيمية جد شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبدالحليم، وقد نفع الله بهذه المشاركات نفعاً عظيماً.


وأيضاً عن طريق المؤتمرات واللقاءات والتجمعات الكبيرة، فهو من أنشط الناس إليها، حتى لا يكاد يتخلف عن شيء دعي إليه منها إما حضوراً أو محاضرة أو افتتاحاً أو تعليقاً أو استفتاءً أو رئاسة.


كما أن له عناية أيضاً بإلقاء الدروس والمحاضرات والمواعظ عن طريق الهاتف سواء في داخل البلاد أو خارجها يقول د. صهيب حسن عبدالغفار إمام مسجد التوحيد في لندن (.. تشرفت غير مرة بنقل كلام الشيخ إلى اللغة الإنجليزية مباشرة، في محاضرة له عن طريق الهاتف، ثم الرد على أسئلة المستمعين من خلال مكتب مسجد التوحيد بلندن، وقد رُبط هذا اللقاء الهاتفي بعديد من المراكز الإسلامية في بريطانيا وأوربا).


 


وللشيخ رحمه الله عدة أنشطة دعوية وخيرية تصب كلها في قالب الدعوة إلى الله عز وجل وذلك من خلال الاهتمام بأمور المسلمين الدينية والدنيوية فمنها على سبيل المثال لا الحصر:


§           إشراقه على دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة ودعمه لها.


§      دعمه للمؤسسات والمراكز الإسلامية، المنتشرة في كافة أنحاء العالم الإسلامي والتي تقوم بأمور التعليم والدعوة إلى الله تعالى، ودعمهم بالكتب والدعاة حيث حمل على عاتقه نفع المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا، فكان ينفق على أكثر من ألفي إمام وداعية من ميزانية خاصة تسمى (ميزانية دعاة البيت) أي من الميزانية غير الرسمية.


§      دعمه الملموس للجهاد الإسلامي، ودعوته للمسلمين القادرين على مساعدتهم كالجهاد في فلسطين وأفغانستان، والبوسنة والهرسك والشيشان وكشمير وإريتريا والصومال، وبورما والفلبين وغيرها من دول العالم.


§      اهتمامه البالغ بقضايا التوحيد وصفاء العقيدة، ونبذ البدع والخرافات والشركيات، فلا تخلو كلماته غالباً من الدعوة إلى تصحيح التوحيد والإخلاص لله في القول والعمل، مع حثه على العمل الصالح والتوبة إلى الله.


§      اهتمامه وحرصه على تعليم القرآن وحفظه، فهو يحث إخوانه وتلاميذه وأعضاء الجمعيات الخيرية على مضاعفة الجهد، ولا يدخر وسعاً في دعمهم مادياً وكتابياً للموسرين بدعمهم ومساعدتهم.


§           دعمه لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتشجيع أعضائها وتوجيههم بالدعوة إلى الله برفق وحلم مع مراعاة المصالح ودرء المفاسد.