تحليل الاحتياجات التنموية.. مدخل لرفع الكفاءة والفعالية في أداء القطاع الخيري
3 يونيو 2018 - 19 رمضان 1439 هـ( 678 زيارة ) .

                                                         

كتب:  د. محمد ناجي عطية
باحث بالمركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد)

 

أدَّى بروز العولمة في عصرنا الراهن إلى توسُّع غير مسبوق في التقنية وأساليب التفكير، زادت معه قناعة العملاء بأهمية رفع مستوى جودة الأداء في المنتجات والخدمات التي تقدِّمها لهم مؤسَّسات المجتمع المختلفة، ممَّا دفع هذه المؤسَّسات إلى اللَّحاق بركب التطوُّر المعاصر الهائل، في محاولة لحجز مكانها الجديد فيه، وهذا كلَّفها الكثير من الموارد في سعيها إلى البحث عن الأساليب الحديثة في تحقيق رضا عملائها الذين صاروا أكثر ذكاءً ووعيًا باحتياجاتهم التي يعرضها المتنافسون في معركة ناعمة من التطوُّر التقني والفكري. 
وهذا بدوره فرض على مختلف قطاعات المجتمع -ومنها مؤسَّسات القطاع الخيري- أن تعيش جولات من التوسُّع في الإنفاق على البرامج التي تظنُّ أنها تؤدِّي إلى رفع مستوى تميُّزها وجودة أدائها، سواء كان ذلك بواسطة تنفيذ البرامج التدريبية الحديثة التي يقدِّمها المدرِّبون الأكْفاء، أو المناهج العلمية الحديثة؛ مثل التخطيط الاستراتيجي، وبطاقة الأداء المتوازن، وبرامج الجودة المتنوِّعة، والتميُّز المؤسَّسي، وغيرها ممَّا تنتجه الأبحاث والمدارس الإدارية المعاصرة بكلِّ تنوُّعاتها وتعدُّد منابعها.
وهذه ظاهرة جيِّدة ومرحلة متقدِّمة في التفكير، خاصَّةً لدى صُنَّاع القرار في القطاع الخيري، بعد مُضِيِّ عقود من الزمن ساد فيها الاعتماد على أنماط محدَّدة في قيادة أعمالها وإدارتها، اعتمد أكثرها على محاكاة التجارِب المشابهة، والتركيز على برامج وأنشطة بعينها وتكرارها في مختلف مجالات القطاع، ورُكِّز فيها على أنواع من برامج تطوير الأداء ربما لا تتناسب مع مستوى الطموح والدور المأمول الذي تُنتظَر تأديته من هذا القطاع الحيوي والمهمِّ في حياة المجتمعات.
ولعلَّ السبب في ذلك يعود إلى رغبة قادة القطاع الخيري في اللَّحاق بركب التقدُّم الحضاري المعاصر، والاستفادة من نتاج الأبحاث والدراسات العلمية التي تتوارد بشكل مكثَّف ومتسارع، لكنَّ هذه الرغبة تظلُّ في حاجة إلى الكثير من إمعان التفكير في مدى ملاءمة هذه المنتجات الحديثة لواقع العمل الخيري من جهة، وتحقيق احتياجات المستفيد النهائي وأثرها في سدِّ حاجاته الحقيقية من جهة أخرى.
وكلُّ هذه المفاهيم تتأرجح بين عدد من المصطلحات الحديثة التي تؤثِّر تأثيرًا مباشرًا في طبيعة القرار لدى قادة القطاع الخيري في تبنِّي البرامج التي يتوقَّعون أنها ترفع من كفاءة أداء مؤسَّساتهم، وتلك المصطلحات هي: الأداء، والإنتاجية، والكفاءة، والفعالية، وعلاقتها باحتياجات المستفيدين بصفتها لبَّ العمل الخيري وغايته وسبب وجوده، إذ إنَّ ما دونها ليس إلَّا وسائل ومقدِّمات لنتيجة واحدة مفادها: ما أثر هذه المفاهيم وغيرها في تحسين الإنتاجية وتلبية احتياجات المستفيدين الذين يخدمهم القطاع الخيري؟
إنَّ حسن التعامل مع هذه المصطلحات وفهم حقائقها ووسائل تطبيقها واستشراف عمق تأثيرها من قبل صُنَّاع القرار في مؤسَّسات القطاع الخيري صار ضرورة لشدَّة الاحتياج إليها في ترشيد العمل الخيري، وإعادة تركيز البوصلة على السبب الوحيد لوجودها وهو المستفيد النهائي، والذي يدفع هذه المؤسَّسات إلى توجيه جلِّ قراراتها  في ذلك الاتجاه دون غيره، ولا سيَّما أنَّنا نعيش في عصر من أبرز سماته الترويج غير المسبوق للأفكار والبرامج الحديثة، وما رافقها من توفُّر للفرص الكبيرة والعروض المغرية الكثيرة، التي أفرزت تشتُّتًا ذهنيًّا كبيرًا قد يميل بقرارات القطاع بعيدًا عن مجالات تركيزه الأساسية.
وفيما يلي تفصيل للمصطلحات السابق ذكرها، في محاولة لتوضيح أوجه الترابط بينها، وعلاقة تحليل الاحتياجات التنموية بالأداء والإنتاجية والكفاءة والفعالية.
مفهوم الكفاءة يهتمُّ بالعلاقة بين المخرجات والمدخلات في عملية ما، ويمكن تلخيص معناه بالسؤال: هل حقَّقت المدخلات والموارد المبذولة في العملية المخرجاتِ والنتائجَ المرجوَّة منها؟ وكم تبلغ تلك النسبة؟
كما عُرِّفت الكفاءة Efficiency بتعريفات مشهورة أبسطها: «عمل الأشياء بشكل صحيح: Doing things right»، ويعني تحقيق النتائج المخطَّط لها بأقلِّ قدر ممكن من الوقت والجهد والتكلفة (3). 
وتبذل المنشآت العامة والخاصة، ومنها مؤسَّسات القطاع الخيري، جهودًا كبيرة في تطبيق مفهوم الكفاءة؛ فعلى سبيل المثال، حينما تنفق جمعية ما موارد وتجهيزات بهدف ضبط دوام العاملين من خلال البصمة، وبعد التقييم تجد أنَّ تلك الموارد قد حقَّقت النتيجة المباشرة بنسبة كبيرة، يكون قد تحقَّق هنا «أداء العمل بشكل صحيح»، وهو معنى كفاءة المؤسَّسة في التخطيط والتنفيذ لبلوغ النتائج المباشرة. لكن السؤال الذي يبرز هنا: هل أداء هذا العمل الصحيح وتحقيق هذه النتيجة المباشرة يُعَدُّ كافيًا لتحقيق الإنتاجية والأداء الأمثل؟ إنه لن يكون كافيًا إلا إذا كان أصل هذا العمل صحيحًا، ومعنى هذا أنه يسير مع سير المنشأة نفسه في اتجاه أهدافها وليس في اتجاه آخر، فهو يسهم في تحقيق جزء محدَّد من منظومة الأهداف الكلِّية للمنشأة، ولا يصادمها.
وفي المثال السابق، يبرز السؤال التالي: بما أنَّ استخدام نظام ضبط دوام العاملين من خلال البصمة قد أدَّى إلى تحقيق كفاءة عالية في انضباطهم، فهل دُرِسَت مخاطر هذا الإجراء على معنويات العاملين؟ إذ إنَّه لن يكون صحيحًا وفعَّالًا إذا تسبَّب بشكل مباشر أو غير مباشر في تذمُّر العاملين وسخطهم، الذي يؤثِّر في ضعف الروح المعنوية لديهم، فيقود في النهاية إلى انخفاض مستوى إنتاجيتهم، والتأثير على الأهداف الكبرى للمنشأة، حينها يمكن الحكم على هذا الإجراء بأنه غير صحيح، ومحلُّ نظر، ولا يحقِّق الإنتاجية المثلى والأداء الأمثل.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الفعالية Effectiveness، التي عُرِّفت بعدَّة تعريفات أبسطها: «عمل الأشياء الصحيحة: Doing right things»، وهذا لا يعني توفير الوقت والجهد والمال فحسب، كما هو في مفهوم الكفاءة، بل أيضًا تحقيق الأهداف المخطَّط لها وأفضل النتائج المطلوبة (3).
فقد تكون عملية صعود السلَّم الطويل المرهق في وقت قياسي لأداء مهمَّة ما، عملًا جيِّدًا لإثبات كفاءة الأداء، لكنَّ هذا العمل لن يكون كافيًا إلا إذا توفَّر عنصر آخر ملازم له بالضرورة؛ مفاده أن يكون السلَّم مستندًا إلى الحائط الصحيح دون غيره، بصفته الهدف أو السبب الوحيد لإنشاء العمل ابتداءً، وإلا فما فائدة تلك الكفاءة في الأداء إذا لم تحقِّق الهدف بعينه؟ بل قد يُعَدُّ نوعًا من الهدر وسوء التخطيط؛ وهذا العنصر هو ما أسميناه الفعالية.
إنَّ أيَّ اختلال في مفهومي الكفاءة والفعالية؛ كاستخدام إجراءات تعزِّز مستوى الكفاءة بمعزل عن دراسة آثارها والنظر في مدى صحَّة هذه الإجراءات ومدى تحقيقها للفعالية؛ يؤدِّي إلى الهدر وضعف الإنتاجية.
إنَّ الأداء المطلوب هو الذي يعكس الإنتاجية، والتي تتكوَّن من: النتائج والمخرجات المباشرة على المدى القريب، والغايات المطلوب تحقيقها على المدى البعيد، وفي هذا تعبير عن ضرورة وجود البعد التشغيلي والاستراتيجي في تفكير قادة المنشأة، إذ إنَّه لا يمكن الحكم بأنَّ المؤسسة قد حقَّقت مستويات عالية من الأداء إذا كان ذلك قد كلَّفها موارد أكثر من الموارد المخطَّط لاستعمالها، أو قصَّرت في تحقيق الأهداف بالجودة المطلوبة وفي الزمن المحدَّد (1).
وبناءً عليه، فإنَّ من الخلل أن تخضع المنشآت إلى طرق تفكير معينة ينتج عنها اتِّخاذ قرارات استراتيجية أو تشغيلية تؤدِّي إلى توجيه العمل والموارد إلى اتِّجاه لا يجمع بين الكفاءة والفعالية معًا في التفكير؛ مثل: الاهتمام بالوسائل بمعزل عن غاياتها، أو الاهتمام باللوائح والنظم والمبالغة في ذلك، أو الإغراق في استخدام التقنية والوسائل المساعدة الأخرى، وكلُّ ذلك دون دراسة وافية لعلاقاتها بالاحتياجات الحقيقية أو الغايات النهائية للمنشأة. فهذا السلوك كثيرًا ما يوقعها في فخِّ العشوائية والارتجالية وتوجيه القرارات والأنشطة والموارد إلى اتِّجاهات قد تَحِيد بها بعيدًا عن تحقيق القدر المخطَّط له من احتياجات المستفيدين، ممَّا يسبب الهدر، وهو فقد الأموال والجهود وضياعها، إما بصرف قدر زائد على الاحتياجات، أو بما لا يحقِّق الغايات. 
وهذا يقودنا إلى العامل الأكثر أهمية والذي يؤثِّر بشكل مباشر في الربط بين مفهومي الكفاءة الفعالية، ويحقِّق الإنتاجية والأداء الأمثل؛ وهو تحليل احتياجات المستفيدين الذين تخدمهم مؤسَّسات المجتمع ومنها جميع الجهات الخيرية، فإنها من المفترض أن تصمِّم أعمالها وبرامجها وتوفِّر مواردها المادية والبشرية بناءً على تلك الاحتياجات، بصفتها أساسًا لوجودها مع برامجها وأنشطتها كافَّةً.
ويشكِّل تقدير احتياجات المستفيدين من خدمات الجهات الخيرية حجرَ الأساس في تحقيق أهدافها الاستراتيجية؛ كونه يوفِّر المعلومات الأساسية التي تعتمد عليها خططها، ويساعدها في ترتيب أولويات الخدمات التي تقدِّمها للمستفيدين، فضلًا عن بناء الرؤى التنموية المستقبلية للمجتمعات (5).
والاحتياج أو الحاجة تعني الفرق بين الحالة المرغوبة والواقع الفعلي الحالي، وتُعَرَّف بأنها: حالة عدم توازن يشعر بها فرد أو جماعة أو مجتمع، نتيجة الإحساس بالرغبة في تحقيق هدف معيَّن يحتاج تحقيقه إلى توفُّر إمكانيات أو موارد معينة (5).
والاحتياج التنموي هو كلُّ ما تحتاج إليه عملية التنمية لمجتمع معين من موارد مالية وبشرية وبناء قدرات وغيرها، هذه الاحتياجات تُعكَس في شكل خطط وبرامج ومشاريع يحتاج إليها المجتمع، وتلبِّيها الجهات المهتمَّة بالجوانب التنموية في المجتمعات، ومنها الجهات الخيرية (6).
أما عملية تحليل الاحتياجات التنموية للمستفيدين أو تقييمها فتعني: دراسة مجتمع معيَّن من حيث توفُّر موارده التنموية (الطبيعية، والبشرية، والمجتمعية)، وتحديد المشكلات التنموية وترتيب أولوياتها، وتحديد الأنشطة التنموية اللازمة لمعالجة تلك المشكلات (6). كما تعني تحديد الفجوات التنموية بين الظروف الراهنة والأوضاع المطلوب الوصول إليها، وغالبًا ما يُستخدَم هذا التحليل بوصفه مدخلا لتحسين حياة الأفراد أو برامج التعليم والتدريب، أو المنظَّمات، أو المجتمعات المحلية (7).
وعملية تحليل الاحتياجات التنموية أداة مهمَّة من أدوات إدارة العمل التنموي، فهي تساعد في بناء قدرة أفراد المجتمع على الإسهام في تحديد مشكلاتهم وتحليلها، والمشاركة في التفكير في الحلول الممكنة، واتِّخاذ قرارات بشأن أفضليات الأعمال التي تُؤَدَّى باستخدام الموارد المتاحة، كما تساعد في وضع الخطط التنموية وَفْق رؤية أعضاء المجتمع أنفسهم (6).
وتأتي أهمية عملية تحليل الاحتياجات وتقديرها من كونها أداةً مهمَّة تؤدِّي إلى التحديد الدقيق لاحتياجات المجتمع بشكل عامّ، واحتياجات المستفيدين من برامج التنمية (الرعاية والإغاثة في الظروف الطارئة) بشكل خاصّ، مصحوبةً بتوفير معلومات أساسية بدرجة عالية من الدقَّة حتى يُعتمَد عليها في اتِّخاذ القرارات المستقبلية، وبناء الخطط التنموية التي تلبِّي الاحتياجات الحقيقية للمستفيدين، مع تقديم أفضل المقترحات للاستخدام الأمثل للوقت والموارد المتاحة، والطرق الممكنة لتحسين البرامج والخدمات، فضلًا عن الترتيب الموضوعي لأولويات الأنشطة والبرامج المستخدمة، والتقدير الموثوق لحجم الموارد والاحتياجات المطلوبة (5).
والخلاصة أنَّ تحليل الاحتياجات التنموية وتقديرها يكتسب أهمية خاصَّة؛ كونه يمثِّل التشخيص الذي يسبق وصفة العلاجات الناجعة المبنية على الكشف الصحيح عن موطن الداء والتقدير السليم للاحتياج الذي يقرّره الطبيب الحاذق، والذي يكون مدخلًا أساسيًّا في كتابة وصْفة علاجية ناجعة يتوقَّع بموثوقية عالية أن تُذهِب الداء وتسدَّ النقص والحاجة، كما تشكِّل حلقة وصل مهمة بين كفاءة الأداء وجودته وكُلْفته، وبين فعاليته من حيث تحقيقه للأهداف المرسومة. 
وفي المقابل، يمثِّل غياب المنهجية العلمية في التحليل السليم والتقدير الصحيح لاحتياجات المستفيدين فقدانَ صُنَّاع القرار الخيري لبوصلة التركيز على أهم معايير اعتماد البرامج والأنشطة، فيوقعهم في فخِّ التوقُّعات والافتراضات التي تعني العشوائية في التقدير، وما يصاحب ذلك -بقصد أو بغير قصد- من الهدر أو القصور في تقدير الموارد اللازمة أثناء محاولاتها لسدِّ تلك الاحتياجات.

 

المراجع:

  1. مزهودة، عبد المليك ،الأداء بين الكفاءة والفعالية مفهوم وتقييم ، مجلة العلوم الإنسانية بجامعة محمد خيضر بسكرة، العدد الأول: الجزائر نوفمبر 2011.
  2.      أسبر، لمى فيصل ، مقترح لرفع الكفاءة والفعالية المصرفية من منظور إدارة الجودة الشاملة، رسالة ماجستير في إدارة الأعمال جامعة تشرين،2009.
  3. STACK, LAURA,Doing the Right Things Right, Berrett-koehler Publishers, Inc. 1333 Broadway, Suite 1000 ,Oakland, California ,2016.
  4. كردي، احمد السيد، الفرق بين الفاعلية والكفاءة في الأداء الوظيفي، 2018    http://kenanaonline.com/ahmedkordy
  5. دليل تقدير احتياجات المستفيدين من خدمات الجمعيات الخيرية، جامعة أم القرى، بالتعاون مع المركز الدولي للأبحاث والدراسات (مداد) .
  6. دليل الممارس التنموي في تقييم الوضع والتخطيط بالمشاركة، منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تابعة للأمم المتحدة.
  7.  Kaufmann, R. (1996). Strategic thinking: A guide to identifying and solving problems. Arlington, Virginia. Washington, DC Joint Bulletin of the American Society for Training and Development and the International Society