المسؤولية الاجتماعية للشركات التعريف العلمي (2)
18 يونيو 2011 - 16 رجب 1432 هـ( 505 زيارة ) .

تناولنا في المقال السابق موضوع اختلاف الوصف الاصطلاحي للمسؤولية الاجتماعية للشركات مع ما هو موجود في ثقافة المجتمع الإسلامي، وأوضحنا التداخل بين مفهومي المسؤولية الاجتماعية للشركات (Corporate Social Responsibility (CSR وبين مفهوم العمل الخيري Philanthropic work. يشير Carroll - 1991 إلى أن العمل الخيري يعد في أعلى هرم المسؤولية الاجتماعية للشركات. لكن كثيرا من الكتاب يخالفونه الرأي في قضية التداخل بين المصطلحات، وأن الأمرين يختلفان في المضمون ويتفقان في الشكليات الظاهرة، وأن كثيرا من المجتمعات، خصوصا الشركات يستخدمون المصطلحين بشكل تبادلي. أعتقد أن الرؤية الآن أصبحت أكثر وضوحا في أن مصطلح المسؤولية الاجتماعية للشركات يعتبر جزءا من العمل الخيري، لكن هل يصح أن نطلق العكس؟ هذا ما سنصل إليه بنهاية هذه المجموعة من المقالات.


من أوائل التعريفات التي أطلقت علي مصطلح CSR ما كتب في عام 1975 بواسطة Elias & Epstein، حيث عرف CSR بأنها ''الإفصاح عن بعض أعمال المؤسسة، فيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية من ناحية أدائها أو تأثيرها في المجتمع''. في هذا التعريف نرى دعوة إلى الشفافية فيما بين الشركات والمجتمع الذي تمارس أعمالها فيه، فمن حق المجتمع التعرف على ما تقدمه الشركة من خدمات اجتماعية، كما أن من حق المجتمع التعرف على الأثر الإيجابي أو السلبي الذي يحدث بسبب وجود الشركة.


وحيث إن الإفصاح الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الشركة ومحيطها الخارجي، فقد عرف Gray في عام 1996 CSR من خلال وجهة النظر المتعلقة بالإفصاح بالتالي: ''عملية التواصل فيما يتعلق بالأثر الاجتماعي والبيئي الناتج من الأعمال التجارية للمنظمة، للمجموعات المهتمة على وجه الخصوص وللمجتمع بشكل عام. وفي هذا تثبيت لمفهوم المساءلة للشركات وإدارتها، الذي يتجاوز المسؤولية في تقديم التقارير المالية لملاك ومساهمي الشركة. وهذا المفهوم يقوم على أساس أن للشركات مسؤوليات تتجاوز تعظيم الأرباح للملاك''. نجد في هذا التعريف توظيفا لمفاهيم الإفصاح والمسؤولية والمساءلة في علاقات الشركة بالمجتمع المحيط بها.


وحيث إن الإفصاح، يعتبر من ضمن أهم الوظائف المحاسبية لعلم المحاسبة، فقد ربط مصطلح CSR بمصطلح المحاسبة الاجتماعية Social Accounting، التي تعنى بالتواصل مع الفئات الخارجية وغير المستفيدة مباشرة من النتائج المالية للشركات، ليكون الهدف كما عرفه Mathews & Perera في عام 1995: ''توسيع الإفصاح ليشمل موضوعات غير تقليدية في مجال الإفصاح، مثل تقديم المعلومات عن التوظيف، والمنتجات، والخدمات الاجتماعية والبيئة التي تقدمها الشركة وليست من ضمن أنشطتها الرئيسة''. وهذا التعريف قد يوطئ لتعريف آخر يأخذ من الوظائف الإدارية الأساس لتقديم CSR وهو التعريف الذي قدمته المنظمة الأمريكية المتخصصة في المسؤولية الاجتماعية، التي أشارت إلى أنها ''القرار الإداري المرتبط بالقيم والأخلاقيات، والملتزم بالقوانين والتشريعات، الذي يحترم الإنسان، والمجتمع والبيئة المحيطة''. فمع اختلاف المدارس أو التخصصات إلا أننا نجد توافقا كبيرا في أساسيات المفهوم، الذي ينطلق من تطبيق جيد لمفاهيم حوكمة الشركات، كما أشار إليه في المنتدى الاقتصادي العالمي، والمنتدى العالمي لقادة الأعمال في 2002.


في واحد من أكثر التعريفات إجمالا لموضوع المسؤولية الاجتماعية للشركات، تقول Jupiter Asset Management: ''إدارة وتشغيل الشركة بطريقة مسؤولة بهدف تعظيم الأثر الإيجابي وتقليل أي تأثير سلبي في البيئة، والمجتمع والاقتصاد الوطني''. وهذا يعتبر من أكثر التعريفات إيضاحا لمهام المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تتطلب أن تكون الشركة عضوا نافعا للمجتمع المحيط. وهذا ما أطلقت عليه جمعية المسؤولية الاجتماعية للشركات في الاتحاد الأوروبي ''توظيف المسائل الاجتماعية والبيئة مع أنشطة الشركة في التواصل مع الجهات المستفيدة من منطلق غير إلزامي للشركات''، وهنا أتساءل: كيف لبعض شركاتنا أن تطبق مثل هذه المفاهيم وبعض قياديها لا يعرف من الأطراف المستفيدة Stakeholders group إلا النزر اليسير؟


ولعل هذا يتضح مع تعريف CSR المصوغ بواسطة شركة الاستشارات CSR Network التي توضح أن المصطلح يعني ''كيف يقوم المشروع بدمج القيم والممارسات مع ما يتوقعه الأطراف الخارجية للمشروع، وهنا لا يقتصر الأمر على المستثمرين والعملاء، بل يتجاوز إلى الموظفين، الموردين، المشرع، المجتمع المحيط، الأجيال المستقبلية، والمجتمع بشكل عام، المسؤولية الاجتماعية توضح مدى التزام الشركة بمفهوم المسؤولية تجاه الجهات المستفيدة''.


حتى لا نبعد كثيرا، فإن هذا المصطلح لا يبتعد كثيرا عن مفاهيم العمل الخيري، لكن مع الحرص علي تحقيق أهداف مستقبلية تعود على الشركة بالفائدة، وهنا نستعرض ما قدمته Corporate Watch في عام 2006، حيث أشارت إلى أن: ''المسؤولية الاجتماعية للشركات تعكس مبدأ أن على الشركات واجب المساهمة الإيجابية للمجتمع، فهي تعني ممارسة وإدارة الأثر الاجتماعي، والبيئي والاقتصادي للشركة تجاه المجتمع المحيط، التجاوب مع متطلبات الأطراف المحيطة بالشركة، والتعامل معها بأخلاقيات قد لا تكون مذكورة ضمن القوانين والأنظمة المكتوبة، بمعنى آخر، هذا المصطلح يعبر عن العديد من الممارسات التي تستطيع الشركة القيام بها تجاه المجتمع سواء كانت تقديم الإحسان والصدقة، المشاركة في الأعمال الخيرية، أو حتى تخفيض انبعاثات الكربون''.


القواسم المشتركة من خلال التعريفات السابقة، التي نستطيع أن نخلص بها إلى أن المسؤولية الاجتماعية عملية تواصل بين المنشأة والمجتمع المحيط، لضمان تطور المجتمع ونشاط الشركة معا، من خلال توظيف أدوات عديدة لإثبات المواطنة الصالحة للشركات. يتبع.