العمل الأهلى و نهضة التعليم..نظام الملك نموذجاً
1 يناير 1970 - 23 شوال 1389 هـ( 1857 زيارة ) .
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التقدم العلمي والنمو في دول العالم المتقدمة مازال السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة في بلادنا ... من أين نبدأ؟
 
ومازلنا حتى الآن ندور في فلك الحل السهل الميسور الذي يحقق لنا ربحية عالية وقتية ولا يكلفنا نفقة باهظة .. فلم نبرح مكاننا ولم نتخط حدود الدائرة الضيقة التي حشرنا أنفسنا فيها..
 
فقد اخترنا طواعية أن نكون أحد مستوردي المعرفة ومستهليكيها بعد أن كنا أهم المنتجين لها قديماً وعلى أكتاف ذلك الإنتاج تأسست دعائم الحضارة الغربية الحديثة ...
 
فمعظم المشاريع النهضوية التي يتم التخطيط لها في بلادنا تركز على مرحلة الاستهلاك دون مرحلة الإنتاج الفعلي وبالرغم من كثرة الحديث وتشعبه عن أهمية التعليم في نهضة الأمة وتفوقها إلا أن هذا الكلام لم بتخط بعد مرحلة الكتابة إلى التطبيق نظراً للبحث الدائم والمستمر عن الربحية العالية الوقتية دون استعداد الدولة لتحمل المزيد من النفقات التي يتكلفها التعليم .
 
والأمة الإسلامية اليوم معنية بمزيد من البحث والدراسة عن سبل إصلاح التعليم في بلادنا فمما لاشك فيه أن النظام التعليمي في العالم العربي والإسلامي يعاني من أزمة مستحكمة تجعله عاجزاً عن مواجهه متطلبات هذا العصر، مما يهدد مستقبلنا ويجعل الأفق مسدوداً أمام أي نهضة متوقعة تخرجنا من كبوتنا التي نرسف فيها لعقود طويلة.
 
ففي تقرير للبنك الدولي أطلقه من العاصمة الأردنية عمان بعنوان (الطريق غير المسلوك.. إصلاح التعليم بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) عام 2009 قال فيه:
 
"إنه على الرغم من تحقيق الكثير حيث يستفيد معظم الأطفال من التعليم الإلزامي وتقلص الفجوة بين الجنسين في التعليم إلا أن الدول العربية ما زالت متخلفة عن كثير من الدول الناشئة".
 
وقال التقرير أيضاً :
"إنه رغم سهولة الوصول لمصادر التعليم حاليا مقارنة بالماضي إلا أن المنطقة لم تشهد نفس التغيير الايجابي فيما يتعلق بمكافحة الأمية ومعدل التسجيل في المدارس الثانوية الذي شهدته دول ناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية، وأشار التقرير إلى وجود فجوات بين ما حققته الأنظمة التعليمية وبين ما تحتاجه المنطقة لتحقيق أهدافها الإنمائية الحالية والمستقبلية، وذكر بأن أحد أسباب ضعف العلاقة بين التعليم وضعف النمو الاقتصادي هو انخفاض مستوى التعليم بشكل كبير.
 
وفي دراسة للدكتورة/ منى البرادعي عن التعليم و التنمية في مصر قدمتها في جمعيه النداء الجديد مايو 2004 أشارت فيها إلي عدم قدرة التعليم علي الإسهام الإيجابي في رفع إنتاجية المتعلم حيث لم تزدد الإنتاجية إلا بمعدل 2.8% لكل سنه دراسية إضافية كما أشارت إلى تدني مساهمة التعليم في تحقيق نمو اقتصادي، وانخفاض معدلات التشغيل للمتعلمين، وعدم قدرة التعليم في الإقلال من الفقر وتحسين توزيع الدخل وهكذا يتضح أن انخفاض جودة التعليم كانت سببا لعدم إسهام التعليم في التنمية بالقدر المطلوب، الأمر الذي يستلزم العمل بسرعة وبكل السبل من اجل تحسين جودة التعليم وكفايته .
 
ورغم تدني كفاءة التعليم وعدم تحقيقه الأهداف المرجوة منه نجد أن ارتفاع التكلفة الفردية له في تزايد مستمر، فبدارسة تطور إنفاق الأسرة على التعليم ما بين عام 1981/ 1982 و1990/ 1991 "بحث ميزانية الأسرة" وجد أن إنفاق الأسرة الفقيرة على التعليم قد ارتفع في كل من الحضر بنسبة 672% والريف 973.8% عنه بالنسبة للأسر المتوسطة والغنية 334.2% في الحضر و529.5% في الريف على التوالي .
 
وبالرغم من أن الدول العربية تتحمل النصيب الأكبر من رعاية التعليم والإنفاق عليه في الوقت الذي رفع فيه المجتمع الأهلي يده عن الإسهام الفعلي في دعم العملية التعليمية ولا أعنى هنا الإسهام الاستثماري فهو موجود ولكن لا يستفيد منه سوى الأغنياء نظراً لارتفاع تكلفته .
 
ولكن ما أعنيه الإسهام الخيري الذي ينهض بالتعليم دون انتظار ربحية متوقعة خاصة وأن الخبرة التاريخية للعمل التطوعي الإسلامي كانت شاهدة على عظيم الإسهام الأهلي في النهوض بالتعليم من حيث إنشاء المدارس ورصد "الحبوس" للإنفاق عليها .
 
وهذه النقطة تحديداً كانت من مفاخر الحضارة الإسلامية التي ساهمت في النهوض بالمجتمعات الإسلامية آنذاك ثقافياً وحضارياً حيث تضافرت الجهود الرسمية والمجتمعية في رعاية قطاع التعليم إيمانا من الجميع بأهمية التعليم في نهضة الأمة ورقيها.
 
والمدرسة النظامية تعد نموذجاً مشرفاً للإسهام الأهلي في تطوير التعليم والارتقاء به، بل والمساهمة في محاربة البدع وتأصيل المنهج السني في المجتمع.
 
فما قصة تلك المدرسة العظيمة ؟؟ 
أسس هذه المدرسة نظام الملك الوزير السلجوقي (واسمه أبو علي الحسن الطوسي، من مواليد طوس، في بلاد فارس أو ما يسمى حاليا إيران (1018،1092) أحد أشهر وزراء السلاجقة، كان وزيرا لألب أرسلان وابنه ملكشاه، أنشأ نظامية نيسابور وبغداد عام 1065، اغتاله الإسماعيليون) عام 457هـ /1067م. وكان موقعها على نهر دجلة ببغداد بين باب الأزاج وباب الباسلية. ولقد أنفق نظام الملك على بنائها مائتي ألف دينار، وبنى حولها أسواقا تكون وقفًا عليها، وابتاع ضياعا وحمامات ومخازن ودكاكين أوقفها عليها. ولقد اتخذت المدرسة في بنائها شكلا رباعي الأضلاع، وهي على قاعات لها قباب، تحيط بصحن في وسطها، وفي الجانب المواجه لمكة المكرمة يوجد المصلى، وبه المنبر، وفي الأروقة الملحقة بالمبنى كانت توجد أماكن لنوم الدارسين. كما ألحق بها أيضا دورات مياه ومطبخ ومخازن، وحجرات الدراسة تحيط بصحن المدرسة وألحق بالمدرسة مكتبة.
 
ولقد توالت الحروب على بغداد، فأهمل أمر النظامية حتى اندثرت في مطلع القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وصار موقعها محلة كبيرة من محلات بغداد، وبقي إيوان بابها حتى عام1332هـ / 1914 م. ويشغل سوق الخفافين حاليا المكان الذي كانت تقع فيه المدرسة آنذاك. أهداف المدرسة:
 
أهداف المدرسة: 
هدفت المدرسة النظامية منذ نشأتها الأولى لإزالة آثار الأفكار الشيعية التي خلفها البويهيون والفاطميون إبان حكمهم. ومن ثم كان التعليم الديني استنادا إلى المذهب السني، وحسب قانون الوقف نشر المذهب الشافعي. وكان نص الوقفية يؤكد على أن كل من يعمل بالمدرسة يجب أن يكون شافعيا.
 
طلبة المدرسة:
كان عدد الطلاب في النظامية محدودا، إذ اعتاد الطلبة على ارتياد المساجد لتلقي علومهم الأساسية. وكان الطلبة يجلسون القرفصاء أثناء الدرس، مستخدمين الركبة كقمطر للكتابة والأوراق في اليد اليسرى، بينما في اليد اليمنى القلم. وكانت الدفاتر التي يدون فيها المعلومات تقوم مقام الكتاب المدرسي.
 
وعن أمور معاشهم فقد وفرت لهم النظامية المسكن والمأكل في المدرسة، وكذلك كان ينالهم دائما نصيب من الأوقاف التي توقف على المدرسة، ولقد تخرج من النظامية عدد من العلماء الذين نالوا شهرة بعد ذلك منهم ابن عساكر، والعز ابن عبد السلام، وابن رافع الأسدي الذي درس بالنظامية ثم عين معيدا بها. وأبو علي ابن منصور الخطيبي المعروف بالأجل الذي أصبح مدرسا بها.
 
مميزات أساتذة المدرسة :
ضمت المدرسة النظامية مدرسون على ثلاث طبقات، هم المدرسون وكان لكل واحد منهم نائبان، ثم المعيدون الذين يعيدون الدرس (وهو النظام الذي أخذت به الجامعات الأوروبية بعد ذلك نقلاً عن المسلمين في الأندلس ثم نقلناه نحن عن الأوروبيين بعد ذلك !!!)، والوعاظ. وكان الأساتذة يعينون بها نظير مرتبات تدفع لهم، وبذلك كانت النظامية أول معهد علمي يتقاضى معلموه أجرا على تعليم العلوم. وكان لكل مدرس على الأقل مساعد، وإلى جانب أعضاء هيئة التدريس كان يوجد عدد من الكتبة والخدم، فضلا عن أمين المكتبة ومسجل وإمام لمصلى المدرسة.
 
وكان المدرسون والمعيدون والوعاظ وأمناء المكتبة من أكابر علماء عهدهم، فمن العلماء الذين درسوا في النظامية الإمام قطب الدين الشيرازي وهو أول من درس فيها، والإمام الغزالي ودرس بها أربع سنوات ما بين عام 484هـ / 1095 م. إلى 488هـ / 1099 م. والإمام الجويني، وأبونصر الصباغ، وأبو القاسم الدبوسي، وأبوسعيد النيسابوري، والسهروردي، وابن البرهان، وأبويعقوب الهمداني، وابن الجوزي، وأبوالحسن علي بن محمد الطبري الشهير بإلكياهراسي. ومن المعيدين محمد السلماسي، وابن رافع الأسدي المعروف بابن شداد. وكان يميز علماء النظامية الزي الإسلامي الذي انفرد باللونين الأسود والأزرق، وكان مرتدي هذا الزي يحظى بقدر كبير من الاحترام من العامة.  (قارن بينه وبين الزي الأزهري اليوم)
 
مكتبة المدرسة :
ألحق بمبنى المدرسة النظامية بناء خاص بالمكتبة عرف باسم دار الكتب أعطاها نظام الملك الوزير السلجوقي مؤسس المدرسة اهتماما خاصا، زودها بكل غريب ونادر وقد كتب هو بنفسه كتابا في الحديث أودعه عند زيارته الأولى لها عام 479هـ / 1087 م. ولقد كانت المدرسة ومكتبتها من الأشياء القليلة التي نجت من الخراب والدمار الذي اجتاح بغداد على يد المغول سنة 656هـ / 1258هـ.
 
ولقد ضمت المكتبة أكثر من عشرة آلاف مجلد في موضوعات شتى إلا أنه غلب عليها الفقه والسنة واللغة والأدب وعلم الكلام. وقد شغل منصب أمين المكتبة فيها علماء لهم شأنهم وخطرهم كان من أوائلهم أبويوسف الإسفراييني يعقوب بن سليمان بن داود. الذي كان فقيها أديبا شاعرا خطاطا. وعندما توفي جاء بعده الإبيوردي: أبو مظفر محمد بن أحمد، وهو أديب مشهور كان مكثرا من التصانيف والتأليف يتمتع بشخصية ذات همة عالية وله طموحات أوصلته إلى السلطان محمد بن ملكشاه، ملك خراسان ليصبح واحدا من رجال الدولة.
 
وكان من بين أمناء المكتبة المشهورين أيضا الخطيب التبريزي أبو زكريا، يحيى بن علي بن محمد الشيباني، وقد كان أديبا له العديد من الكتب المهمة وكان إلى جانب أمانة المكتبة يدرس الأدب والفلسفة في المدرسة. وقد توفي عام 502هـ / 1109 م. وهو على رأس العمل. وقد كان أكرم الدين أبو سهيل آخر أمين لهذه المكتبة.
 
وفي سنة 510هـ / 1117 م. نشب حريق في المدرسة وسرعان ما قام الطلاب بنقل كتب المكتبة حماية لها من النار التي التهمت مبنى المكتبة مما استوجب إعادة تشييده وإعادة ترتيب الكتب فيه على رفوف جديدة.
 
ومع مرور الوقت أصاب المكتبة تصدع وإهمال مما جعل الحاكم العباسي الرابع والثلاثين الناصر لدين الله يأمر بإعادة إعمارها ونقل إليها ألوفا من الكتب والمجلدات النفيسة سنة 589هـ / 1193 م. بل ويقال إنه بنى لها مبنى جديدا.
 
الإجازات العلمية:
كان المتبع في المدرسة النظامية هو أن يتلقى الطالب العلم زمنا طويلا فإذا آنس في نفسه القدرة على التصدي للعلم أعلن ذلك بين زملائه وشيوخه فتعقد له حلقة من العلماء لمناقشته وإجازته.
 
وكان الطالب يحصل على إجازة أو إجازات تجيز له رواية حديث أو تدريس كتاب أو الإفتاء من شيخه الذي تلقى عليه العلم.
 
هذا نموذج من المشاركة المجتمعية الفعالة في الاهتمام بالعملية التعليمية والذي أسهم بدوره في النهوض بالمجتمع وازدهار الحضارة الإسلامية... فأين نحن الآن من هذه الثقافة العظيمة ؟!!
 
وإن لم نستدرك ما فات ونبدأ نهضتنا من مكانها الطبيعي من مدارسنا ومعاهدنا سنصبح كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ...
 
فهل يمكن الاستدراك ؟!!    
بواسطة : سمير العركي