الشيخ عبد اللطيف جميل ... تنمية الخير داخل المجتمع بمنهج مؤسسي

 القاهرة : مداد

 

      استطاع المغفور له الشيخ عبد اللطيف جميل أن يؤسس للعمل الخيري ويجعله ممتدا بطريقة اقتصادية فريدة تجسد  فكرة التنمية المستدامة بعيدا عن فكرة الصدقات غير الممتدة؛ فالراحل - من خلال مجموعته الاقتصادية التي ورثها من بعده أبناءٌ بررة - استطاع منذ تأسيس المجموعة عام 1945 الاضطلاع بأدوار متعددة لخدمة المجتمع السعودي استهدفت تقديم منح تعليمية وتدريبية للارتقاء بعمليات تأهيل الشباب السعودي لدخول سوق العمل. وتدريجياً اتسعت تلك البرامج وتعددت لتشمل فئات أخرى في المجالين الإنساني والاجتماعي، حتى وصلت حالياً لنحو 25 برنامجاً تنفذها الشركة حالياً. كما يعرف عن الراحل - رحمه الله - شغفه واهتمامه الكبير بالفنون الإسلامية بدرجة دفعته لإقامة معرض  بالعاصمة البريطانية لندن يضم أكثر من 10.000 قطعة فنية إسلامية في معرض فيكتوريا وألبرت، ومنذ تأسيس شركة عبد اللطيف جميل  قبل 60 عاما  وهي تأخذ على عاتقها بلوغ مستوى عال من الريادة المجتمعية بفكر واعٍ  واستراتيجية حاكمة استهدفت النهوض بالمجتمع السعودي. ومن البرامج الخيرية التي كانت في قلب وعقل الراحل رعاية الأيتام،  وحَرِصَ أبناؤه من خلال برامج جادة تديرها المجموعة على اكتشاف وتحفيز المهارات الذهنية لدى الأيتام ، وإشعارهم  بمشاركة وتضامن المجتمع معهم، وفتح آفاق ومجالات التعليم العالي والمهني أمامهم، وتقديم خدمات ومجالات للمساعدة خارج الأطر التقليدية للخدمات المقدمة لهم.

 

برنامج" تنوير"

 

     وعندما أدركت مجموعة عبد اللطيف جميل اقتصار دور الجمعيات الخيرية التي تؤوي الأيتام على مدِّهم بالخدمات الضرورية لمعيشتهم اليومية،  وفقد الأيتام  لفرصة الاطلاع على كل ما يدور حولهم من متغيرات خارج محيطهم الاجتماعي- بادرت المجموعة  بتأسيس " برنامج تنوير " بهدف مدِّ يد المساعدة لتلك الشريحة المجتمعية من الشباب، من خلال تنظيم برامج ترفيهية وتعليمية تساعدهم على توسيع آفاقهم، وتثري فهمهم للمجتمع والبيئة المحيطة بهم في كافة المجالات. وتأهلهم - فيما بعد- لاتخاذ القرارات المستقبلية لتحديد مسار حياتهم بعد انتهاء المرحلة الثانوية، سواء لمواصلة التعليم الجامعي، أو البحث عن فرصة عمل مناسبة في المجال المهني والحر، وتعتمد فكرة البرنامج على تنظيم رحلات ثقافية وترفيهية للمتميزين من هؤلاء الأيتام  للخارج - بالنسبة للأولاد - بهدف التعرف على نوعية وطبيعة الحياة الثقافية والاجتماعية والعلمية، بجانب رحلات داخلية للبنات  للتعرف على معالم بلادهن السياحية والثقافية والاجتماعية. وتكون هذه الرحلات بمثابة حافزٍ لهم على مواصلة التفوق الدراسي، وإشعارهم بتكاتف ورعاية المجتمع لهم  من خلال استثمار أوقات فراغ الأيتام فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة ،وتحفيز الطلاب على الاجتهاد ومواصلة التفوق الدراسي، وإخراج اليتيم من طوق العزلة المفروض عليه، عبر برامج تستهدف تعريفه بالمظاهر الثقافية والحضارية خارج بيئته المحدودة سواء داخل المملكة أو خارجها، وهي مشاهد ربما لم يسمع أو يعرف عنها شيئاً، وتثقيف الأيتام بآفاق ومجالات التعليم الفني والحرفي والجامعي المتاحة أمامهم داخل وخارج المملكة، عبر تنظيم زيارات للمعاهد والجامعات، والمشاركة في بعض الأنشطة التي تقيمها هذه الجهات التعليمية مثل " يوم المهنة  ".

 

مفهوم جديد لخدمة المجتمع

 

    وعبر التوجه الخيري للراحل سعت " برامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع " للاستفادة من المفهوم الجديد للتنمية القائم على مبادرة القطاع الخاص من أجل التنمية  كأساس لعملها داخل المجتمع السعودي، وأن تكون نموذجاً يحتذى به على مستوى المؤسسات التي لديها رغبة في العمل الأهلي، ولذا أخذت البرامج على عاتقها تنبي برامج متعددة بهدف إعداد الشباب السعودي لاحتياجات سوق العمل المتنامي داخل المملكة.

    وتبدو المهمة الرئيسة لــ " برامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع " في كونها نابعة من الإحساس الإنساني العميق تجاه المجتمع. وتسعى برامجها للتأهيل والتدريب - وفقاً لأسس علمية وتقنية متعارف عليها - إلى توفير فرص عمل حقيقية للشباب والشابات، ولذا سعت " برامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع " للاستفادة من التطورات الكبيرة سواء التي طرأت على مناهج  وآليات التدريب المهني والفني والإداري.. أو تجاه المهارات المكتسبة من قبل الكوادر التدريبية القائمة على التدريب داخل وخارج المملكة. والهدف هنا ليس سد الاحتياجات الفنية والإدارية في سوق العمل الوطني فحسب، بل - أيضاً - تخريج شباب قادر على اقتحام سوق العمل بتأهيل ومستوى تدريبي عال وذي كفاءة، يستطيع قيادة عملية التنمية. وتغيير النظرة أو الصورة النمطية السائدة تجاه المهن والحرف اليدوية.

 

الفكر الخيري المتوارث

 

   وامتدادا  للفكر الخيري للوالد الراحل حرص أبناء عبد اللطيف جميل عبر صروح طبية على تقديم الرعاية الصحية المتخصصة لفئة المرضى الذين يصابون بعاهات نتيجة الحوادث أو أمراض تمنعهم من ممارسة حياتهم بصورة كاملة أو جزئية،  وتنفيذ برامج رعاية وإعادة تأهيل، وتوفير أكبر قدر ممكن من الاعتماد على النفس، وتمكين المريض من ممارسة حياة مستقلة قدر الإمكان، وتكييف المريض للعيش في محيط المنزل والأسرة بشكل آمن ومستقر وتحت إشراف المختصين عبر تقليص الاعتماد على الرعاية التمريضية المستمرة، وضمان الوقاية من المضاعفات المستقبلية المرتبطة بالإعاقة من ناحية، والتثقيف النفسي للأسر حول كيفية الاهتمام بالمريض والتعامل معها بشكل آمن وصحي من ناحية أخرى. وبهذا يتحقق للمستشفى إيجاد منظور أفضل واهتمام أكبر بمفهوم الإعاقة والتأهيل الطبي لزيادة تقبل المجتمع للإعاقة كوضع طبيعي وسليم،.

     وقامت شركة عبد اللطيف جميل - بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر في محافظة جدة - بتأسيس " برنامج عبد اللطيف جميل لتطوير جمعية الهلال الأحمر بمحافظة جدة؛ بهدف تطوير ومساندة أعمال جمعية الهلال الأحمر للاضطلاع بدورها الإنساني العام والذي لا غنى عنه للمجتمع. والوصول للمعدل القياسي العالمي ما بين تلقي نداء الاستغاثة ووصول سيارة الإسعاف وطاقمها الطبي لمكان الحادث والمقدر بقرابة 8 دقائق. بالإضافة إلى نشر الوعي الصحي بمبادئ الإسعافات الأولية لدى شرائح المجتمع السعودي المختلفة؛ لتشجيعها على الانخراط في هذا العمل الإنساني العام بشقيه التطوعي والمهني.

 

المسؤولية الاجتماعية

 

     وآمن الشيخ عبد اللطيف جميل - رحمه الله - بمبدأ العمل الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية  لرأس المال بوصفهما من أهم أسس العمل المدني والتحديث داخل المجتمعات المعاصرة، ومع هذا التعدد وتشعب البرامج والخدمات التي تقدمها الشركة داخل المجتمع، استدعت الحاجة لإنشاء إدارة تتولى الإشراف على تنفيذ تلك البرامج، وتضع الاستراتيجيات الحاكمة لها، ومن هنا ظهرت " برامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع ". وتم توحيد برامج الشركة في إطار هيكلي موحد يحقق التنسيق والتكامل بين تلك البرامج. وخطت المجموعة  خطوة جديدة تجاه بعض الفئات الأكثر حرماناً والمهمشة داخل المجتمع؛ بتبنيها تنظيم برنامج " اليوم العائلي للسجين " في إطار سياسة الشركة الداعية لدعم وتوسيع قاعدة المستفيدين من المشاريع والبرامج الاجتماعية؛ بهدف  تلمس الجوانب التربوية والاجتماعية والتأهيلية في حياة السجين، وإعداده لكي يكون مواطناً صالحاً بعد انتهاء فترة الحبس، والحفاظ على الصلة بينه وبين أسرته قائمة. وانطلقت  فكرة البرنامج في سجن بريمان في جدة، بتخصيص يوم يحتفل به السجناء مع أسرهم وذويهم في جو عائلي هاديء يقلل من حالة الوحشة والغربة التي يشعرون بها وراء القضبان باعتباره إنسانا أخطأ بأعمال وممارسات شكلت خرقاً وتهديداً لما هو سائد في المجتمع، إلا أنه لا يجب عزله بالكامل عن محيطه الأسري والاجتماعي، بل ضرورة العمل على عودته من جديد إلى المجتمع مواطنا صالحاً قادراً على العيش في ظل احترام القانون.

 

نزلاء السجون

 

     ونجح عبد اللطيف جميل من خلال ذلك البرنامج الإنساني في رصد العديد من المجالات والأنشطة التي يمكن من خلالها تحسين أوضاع نزلاء السجن وتهيئة مناخ إنساني يدعم التوجه العام نحو الإصلاح والتقويم؛ فتم إنشاء مبنى خاص بالزيارات بطريقة حديثة هي عبارة عن مانع زجاجي، والاتصال بالسجين يتم عبر الهاتف، وذلك بهدف خدمة النزلاء الذين لا يستفيدون من مشروع القرية العائلية، كما تم بناء غرفة جديدة لاستقبال طلبات الزيارة، وغرفة تفتيش النساء والجزء المخصص لاستقبال المساجين من ذوي الأحكام الجديدة؛ لكون الغرف الحالية لا تفي بالغاية وصغيرة، وبناء مبنيين إضافيين يحتوي كل منهما على عنبرين حسب مواصفات السجن، ومساعدة مساجين الحق الخاص، وتأمين العديد من التسهيلات الخاصة بالنزلاء في السجن من تليفزيونات، وحافلات داخلية لنقل الزوار من البوابة الرئيسة إلى موقع الزيارة، وتأمين أجهزة للتخلص من نفايات العنابر بشكل آمن وصحي، وميكروفانات وسماعات للمساجد، كم تم إعادة تأهيل مستوصف السجن، و مده بعدد من سيارات الإسعاف، واستكمال النقص الموجود في الأدوية والأجهزة الطبية، وتعيين أطباء جدد.

     ومن خلال برامج لخدمة المجتمع تم توفير فرص عمل مناسبة لشباب وشابات الوطن، وتنمية المشاركة الاجتماعية في مكافحة البطالة والفقر وتفعيلها، ورفع مستوى الوعي بين أفراد المجتمع، وتمويل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوعية وتثقيف الشباب بقيمة العمل الخاص، وتوعية الشركات بضرورة توطين الوظائف وتأهيل الكوادر الوطنية الشابة. وتشمل برامج خدمة المجتمع دعم المشاريع الصغيرة والذي يندرج تحته عدة فروع تضم برنامج الأسر المنتجة، وبرنامج المشاريع الصغيرة، وبرنامج سيارات الأجرة العامة والنقل، وبرنامج الامتياز التجاري، كذلك برنامج التدريب المنتهي بالتوظيف، وبرنامج التوظيف المباشر، وبرنامج باب رزق جميل ( أسواق تجارية لرواد الأعمال )، وآخر هذه البرامج هي البرامج الدولية.

 

" دار النفيسة" للأيتام

     وتقول ابنة الراحل الكبيرة سيدة الأعمال ناجية عبد اللطيف جميل إنها اكتسبت من والدها حب العمل الخيري؛  فقد عاشت في كنف والدها - رحمه الله- وتابعت خطواته الرائدة في جميع المجالات، ومنها بدأت تحديد مسارها في العمل الخيري وتجارة المفروشات وأعمال الديكور لما تملكه من حس مرهف يحاول أن يلبي مطالب المحتاجين، وميول فنية وظفتها لتشغل أوقات فراغها، إلى جانب اهتماماتها الثقافية والأدبية التي دفعتها إلى تأسيس أول ملتقى نسائي ثقافي بجدة، وتشير إلى أن البدايات التي انطلقت منها للعمل الخيري تقول إنها تعلمت من الوالد الراحل الحرص على المشاركة  في الجمعيات الخيرية في جدة ومكة بجميع أنشطتها،  وتشعر بسعادة كبيرة  وهي تتابع الأطفال وتحاول تلبية بعض مطالبهم، وتشعر أنهم بحاجة لرعاية نفسية أكثر منها مادية. وأدركت مدى حبها  لهذا الدور ورغبتها  بمضاعفة عطائها  فيه؛ فافتتحت داراً للأيتام اختارت لها اسم (دار النفيسة) تيمناً باسم  الوالدة -- رحمها الله-.  وتشير ابنة عبد اللطيف جميل أن والدها  كان من أهم الأسماء في عالم التجارة والأعمال الخيرية، و كان لذلك دورٌ في توجهاتها الخيرية؛ فالإنسان بطبيعة الحال يتأثر ببيئته وبيته وخاصة بالأب والأم، ويتشرب تصرفاتهم بشكل تلقائي، فكانت تراه يهتم بالناس، ويشعر بهم، ويراعيهم، فاكتسبت هذه الصفات منه...وقد كان - رحمه الله - سباقاً بإنشاء مركز التأهيل المتخصص لأول مرة في المملكة العربية السعودية؛ لتقديم خدمات العلاج الطبيعي للمرضى والمصابين خاصة من لا يملكون ثمن العلاج.

   

    و كرم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رئيس برامج عبد اللطيف جميل لخدمة المجتمع المهندس محمد ابن الراحل الكبير عبد اللطيف جميل خلال افتتاح مهرجان الجنادرية الشهر الماضي، ومنحه وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى تقديراً لما قدمه من برامج لخدمة المجتمع، فيما يعد تكريم "محمد" تأكيدا على  اهتمام المليك بدعم العمل الاجتماعي ورجال الأعمال الأوفياء القائمين على خدمة المجتمع، ويعد دلالة واضحة من خادم الحرمين الشريفين على اهتمامه بالعمل الاجتماعي، وتكريم رعاته والقائمين عليه، وفي مقدمتهم رجل العمل الاجتماعي الذي تبنى إقامة الكثير من المشاريع وإنشاء المركز الذي يهتم بخدمة المجتمع وتدريب وتأهيل الشباب على الانخراط في مختلف الأعمال التي تساهم في رفعة الوطن وتدعم الحركة التنموية؛ فمجموعة عبد اللطيف جميل كان لها تجارب مختلفة تعاونت من خلالها مع غرفة جدة سواء في عقد ورش العمل، أو إقامة المعارض الاجتماعية، أو رعاية الفعاليات المختلفة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي لقيت إقبالا كبيرا من مختلف شرائح المجتمع. ويمثل دعوة لرجال الأعمال إلى الاهتمام بالجوانب الاجتماعية، والحرص على تطوير مفهوم الخدمة الاجتماعية ودعمه بشكل ملموس ليؤتي ثماره على مدى الأجيال القادمة التي ستستفيد وتفيد مَنْ بعدها، فقد حرص مؤسس الشركة الشيخ عبد اللطيف جميل - رحمه الله- على مواكبة العمل الاجتماعي منذ تأسيسها، وقد كان من الرواد على مستوى المملكة في العمل الاجتماعي؛ حيث كان هناك العديد من الأنشطة والبرامج المختلفة وفي عام 2003، وقد قام المهندس محمد جميل بمواصلة السير على نهج والده في إدراك المسؤولية الاجتماعية لرأس المال.

أخبر صديق