
كتب الصديق العزيز الدكتور عبد الله دحلان مقالاً تحت عنوان (مكافحة البطالة والمخدرات والإرهاب من أولويات المرحلة القادمة)، نُشر بصحيفة الوطن غرة رجب الماضي، استعرض فيه ما جاء في لقاء رئيس وأعضاء غرفة جدة بصاحب السموالملكي الأمير نايف بن عبد العزيز، وكان أبرز ما جاء فيه تأكيد سموالأمير نايف على قلقه وحرصه واستعداده لمواجهة ثلاث قضايا أساسية تواجه المجتمع السعودي وهي قضية الإرهاب، وقضية انتشار المخدرات،وقضية البطالة .
وقد أفرد الدكتور عبد الله الجزء الأكبر من مقاله لقضية البطالة، ودور القطاع الخاص والأهلي في زيادة نسب البطالة.
وباعتبار أنني من المهتمين وعلى مدى سنوات عديدة بقضية البطالة، ومشروع السعودة كوسيلة من وسائل المواجهة والعلاج، أحد المعنيين بحديثه الموجه للقطاع الخاص، فقد اندهشت مما كتبه صديقي العزيز، ولولا أنه نفى عن نفسه المجاملة لقلت أنه يجامل الجهات الحكومية
ومادام أنه لا يجامل فإن ما كتبه يحتاج إلى حوار جاد وهادىء، خصوصاً وأن ما ذكره يوحي بتحميل القطاع الخاص المسؤولية، وفي نفس الوقت رفع الحرج عن الجهات الحكومية ذات العلاقة، والتي تكاد أن تكون جميعها مسؤولة عن بروز وتفاقم مشكلة البطالة، بنسب متفاوتة كما سيأتي إيضاحه لاحقاً.
يقول الدكتور عن قضية البطالة: «نحن ساهمنا فيها وأقصد بنحن (القطاع الخاص والأهلي) وأنا واحد منهم وليسمح لي زملائي قي القطاع الخاص بجلد الذات بكلمات عتاب.. نعم نحن في القطاع الخاص ساهمنا ومازلنا نساهم في زيادة نسب البطالة لدى السعوديين بحجج وضعناها لتبرئة مسؤوليتنا من البطالة وهي أعذار في الحقيقة لم تعد مقبولة..»
وأنا أتساءل ما هي الحجج التي وضعها القطاع الخاص لتبرئة مسؤوليته من البطالة ؟ فما أعرفه أن من أهم أسباب عدم قدرة القطاع الخاص على استقطاب الشباب السعودي، هي أن غالبية طالبي العمل السعوديين في الأساس لا يرغبون العمل في القطاع الخاص ويفضلون العمل لدى الحكومة، لمزايا عديدة، منها ما يسمونه بالأمان الوظيفي، والدوام الواحد، والراتب المرتفع نسبياً، والعمل في المكاتب المكيفة، وشبه غياب المحاسبة والمراقبة الفاعلة للدوام وللإنتاجية، ومزايا أخرى . وعمل غالبيتهم في القطاع الخاص هولفترة مؤقتة ريثما يتم تعيينهم في الحكومة.
وهم أيضاً لا يرغبون، بل لا يقبلون العمل في العديد من المجالات التي يشغلها ملايين من العمالة الوافدة، في قطاعي المقاولات والتشغيل والصيانة، والأعمال التي تفرض العمل خارج المكاتب المكيفة، وتستلزم العمل الجسماني.
فهل هذه حجج وضعها القطاع الخاص ؟؟
ثم يقول الدكتور عبد الله: « لقد أصبحت العمالة السعودية قادرة على تحمل مسؤولية العمل بعد أن تعلمت وتدربت وتأهلت للعمل، ولم يبق لها سوى إتاحة الفرصة لها لكسب مهارات العمل وبناء الخبرة والجودة في العمل، ولقد أثبتت بعض الشركات والبنوك جديتها ونجحت في تأهيل الشباب السعودي للعمل».
وهنا لابد من التذكير بأن القطاع الخاص ينقسم من ناحية حجم مؤسساته إلى مؤسسات كبيرة تمثل في مجموعها نسبة 7% تقريباً من حجم القطاع الخاص، ومؤسسات متوسطة وصغيرة تمثل النسبة الباقية وهي 93% . والبنوك والشركات التي ذكرها الدكتور عبد الله تقع ضمن المؤسسات الكبيرة، التي لديها القدرة على استقطاب وتدريب واستبقاء العمالة السعودية، وذلك بسبب ملاءتها المالية وربحيتها التي تسمح لها بذلك. وهي في الأساس ليست في حاجة لمحفزات السعودة بما فيها صندوق تنمية الموارد الذي لا يزال نفعه الأعظم ذاهبا لها، برغم أن دخله الأعظم قادم من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (على القاعدة المعكوسة: خذ من فقرائهم واعط أغنياءهم)، فجميع البنوك والمؤسسات الكبيرة تجاوزت نسب السعودة التي فرضتها القرارات المتتابعة بمراحل، وقبل صدورها.
وأما المؤسسات الصغيرة فهي ليست قادرة على استقطاب الشباب السعودي لأسباب متعلقة بالشباب أنفسهم، جئت على ذكر طرف منها أعلاه، وأسباب تتعلق بمحددات القطاع الخاص، التي لا تدخل ضمنها محددات عاطفية أووطنية إلاّ بقدر محدود، وأعني هنا بالتحديد الربحية التي تأتي في جزء منها من خفض تكاليف العمالة، وخاصة عندما يكون السوق مفتوحاً كما هوسوقنا، والمنافسة فيه مفتوحة على جميع دول ومنتجات العالم.
ولإيضاح المسألة ببساطة يمكن القول بأن المؤسسة التي سوف تستبدل عمالتها الوافدة منخفضة التكلفة، بعمالة سعودية مرتفعة التكلفة ليس أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما : الأول أن ترفع أسعار بيعها لكي تربح وتستمر . وهذا غير ممكن في ظل أسواقنا المفتوحة التي توفر البدائل بأسعار أقل، وليس هناك مشتر سعودي أوغير سعودي سيشتري بسعر أعلى في ظل وجود بديل أقل سعراً، وهذه بالمناسبة من محددات القطاع الخاص. وهكذا ستبقى بضاعة المؤسسة دون أن يشتريها أحد، ولا يبقى أمامها سوى الخيار الثاني وهوالإفلاس والإغلاق، وانضمام صاحبها إلى صفوف طالبي العمل.
إن الربحية كمحدد لطبيعة عمل القطاع الخاص تُعد ميزة وليست عيباً كما قد يبدوللبعض، فهي التي تقف وراء حيوية وديناميكية القطاع الخاص، الذي تفوق في أدائه على القطاع العام سواء من ناحية جودة ما يقدمه من منتجات وخدمات أومن ناحية انخفاض التكلفة.
إن تحميل القطاع الخاص مسؤولية البطالة مجاف للحقيقة، وعندما يردده الحكوميون فهم يهربون من المسؤولية، ويجيرونها للقطاع الخاص. لكن المؤسف أن ذلك لا يخدم المصلحة العامة، لأنه ليس فقط يُبقي المشكلة كما هي، ونظل نراوح في مكاننا، وإنما يؤدي إلى تفاقمها ومضاعفة آثارها السلبية.
وللحديث بقية .. في الأسبوع القادم إن كان في العمر بقية ..