· التنمية الاجتماعية, في تعريف عاجل لها, هي الارتقاء بالإنسان في جميع جوانبه. ويمكن أن يضاف إلى هذا الإنسان البيئة كذلك. وللتنمية الاجتماعية تعريفات عدَّة, تصبُّ في مفهوم الارتفاع والزيادة, وإشباع الحاجات الاجتماعية للإنسان, من خلال سلسلة من التغييرات الوظيفية والهيكلية اللازمة لنمو المجتمع, بزيادة قدرة أفراده على استغلال الطاقات المتاحة إلى أقصى حدٍّ ممكن. (2) ولذا نجد أن هذا المفهومَ حاضرٌ في مراكز التنمية الاجتماعية, بحيث تعمل على تنمية الإنسان تربويًا ونفسيًا ومهنيًا وجسميًا وثقافيًا وفكريًا. ولكلِّ هذه المجالات مقوِّماتها في مركز التنمية الاجتماعية.
· إلا أنه مع انتشار مؤسَّسات التنمية الاجتماعية الحكومية, وتوزيع وظائف التنمية عليها, بحسب اختصاصها, من تعليم وتدريب وصحَّة وترفيه, سُحبت- تلقائيًا- بعضُ المهمَّات التي يقوم بها مركز التنمية الاجتماعية, وبقيت هذه المهمَّات مربوطة بمؤسَّسات المجتمع المدني الحكومية, كالوزارات, وما في حكمها, أوَّلاً, ثم الأهلية, وذلك مثل: المدارس والمستوصفات والمستشفيات ومراكز التدريب والنوادي الأدبية والرياضية, مما حدا ببعض المعنيِّين بالجانب التنموي الاجتماعي إلى الدعوة إلى إلغاء مراكز التنمية الاجتماعية, في الحواضر التي توفَّرت فيها وظائف المركز, من قِبَل الجهات المتخصِّصة.
· إلاَّ أن مهمَّة التنمية الاجتماعية- عن طريق المراكز التابعة لوزارات الشؤون الاجتماعية, وما في حكمها- تظلُّ تمارس دورًا تنمويًا اجتماعيًا, مع حضور جهات الاختصاص. ولذا تطوَّرت فكرة مراكز الأحياء, التي تُعَدُّ بدورها مراكزَ للتنمية الاجتماعية, مما يؤكِّد الاستمرار في الحاجة إلى التنمية البشرية, وإن اختلفت صور التنمية, وتطوَّرت احتياجات المجتمع, كما تُشير تقارير التنمية البشرية الدورية الصادرة عن برنامج الأمم المتَّحدة الإنمائي. (3)
· على أن تقرير الأمم المتَّحدة المعني بالبلاد العربية, المصاغ بأقلام عربية, قد شطح في الدخول في قضايا الحرِّية, وما يدور حولها, باسم التنمية الإنسانية, مما قد يدخل في مسألة تسييس هذا القطاع الاجتماعي, والتشطيح به في متطلَّبات هي مهمَّة, ولا شكَّ, ولكنها تأتي على حساب الحاجات الفعلية الأساسية والضرورية الماسَّة في مجالات التنمية البشرية الاجتماعية. (4)
· وتتجاذب التنمية الاجتماعية, من حيث الاختصاص, ثلاثة مرافق في الدولة, هي:
1 ــ الحكومة.
2 ــ القطاع الأهلي/الخاصّ.
3 ــ القطاع الخيري/الثالث.
· هذا التجاذُب هو إيجابي في طبعه؛ إذ تكتنفه روح المنافسة غير المعلنة. فالحكومة, مهما كانت طبيعة الحكم فيها, من حيث المركزية من عدمها, لا تريد أن توصف بالتقصير في هذا المجال, في ضوء حضور القطاع الأهلي. كما أن الحكومة, من منطلق سيادي, تقوم بتنظيم العمل الخيري, من خلال وضع النظم (القوانين) واللوائح, التي تضبط العمل الخيري, وتحاسب الهيئات الخيرية من خلاله.
· البعد القانوني بُعد مهمٌّ من أبعاد تنمية العمل الخيري, فيه ضمانة لعدم سوء استغلال العمل الخيري في أعمال غير خيرية, الذي يُلزم الحكومة التأكُّد منه. كما أن فيه تبرئة للهيئات الخيرية من أي محاولة للنيل من أدائها, إذا ما كانت تدور في فلك التنظيم القانوني الحكومي, بما في ذلك وجود محاسبين قانونيين, يتابعون أداء الهيئات الخيرية ماليًا.
· والقطاع الأهلي ملزمٌ, شرعًا وأدبًا, أن يُسهم في التنمية الاجتماعية, عن طريق الوقوف مع الهيئات الخيرية بالدعم المعنوي, من خلال الإسهام المعنوي في تبنِّي مشروعات تنمية الأعمال الخيرية, وكذلك الدعم المادّي, عن طريق دفع الزكوات والصدقات والمنح والهبات والأوقاف, وقسط من الضرائب في مجتمعات تُفرض فيها الضرائب, وتبنِّي برامجَ خيريةٍ محدَّدة المهمَّات والمستهدَفين, وغيرها من وسائل التمويل, مما أبرز ظاهرة المؤسَّسات الخيرية الخاصة, في مقابل الجمعيات الخيرية العامَّة, في تكوينها, وتغطيتها, وليس بالضرورة, في اختصاصها.
· موضوع المؤسَّسات الخيرية الخاصَّة, مثل هذه المؤسَّسة المباركة, مؤسَّسة الشيخ عيد بن محمَّد آل ثاني الخيرية يحتاج- في سبيل تطوير أدائها وتنمية برامجها- إلى تركيز أكثر مما هي عليه الآن, وتأصيل علمي في أدائها, وتوخِّي الحذر في جلب العاملين بها, في شتَّى أوجه نشاطها, وأماكن ذلك النشاط؛ ذلك أن الهيئات الخيرية أضحت ملاحَقةً بوضوح أكثر, بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م, الموافق 22/6/1422هـ, حيث كان من محاولات محاصرة الإرهاب التعرُّض للهيئات الخيرية في العالم الإسلامي, والباذلين لها, بحُجَّة أنها أضحت وسائل لدعم الإرهابيِّين, بالمفهوم الآخر للإرهاب. (5) بالإضافة إلى اتِّهامات لرموز فعل الخير في البلاد العربية والإسلامية. (6) الأمر الذي يحتاج معه إلى سدِّ المنافذ التي يمكن أن يَدخل من خلالها الشكُّ أو التشكيك في سوء استغلال العمل الخيري. (7)
· والقطاع الثالث/الخيري ملزمٌ في أن ينفِّذ برامجه التنموية في المجتمع, ويسعى إلى تطوير أدائه دوريًّا, لينالَ ثقة الطرفين الآخرين؛ الحكومة والقطاع الأهلي, بصفتهما الداعم الرئيسي لبرامج العمل الخيري مادِّيًا ومعنويًا.
· في ضوء هذا التجاذُب الطيِّب صار لزامًا على القطاع الخيري- في سبيل تطوير ذاته- العمل على التخفيف من هذا الاعتماد التامِّ على الموارد المالية, من القطاعين الحكومي والأهلي, باللجوء إلى استثمار هذه الموارد فيما يعود بدخل منتظم على الجمعيات الخيرية. (8)
· الحديث هنا, ينصبُّ على تنمية القطاع الخيري/الثالث في سبيل تنمية المجتمع. ويُغفل التمهيد التاريخي والثقافي لمفهوم العمل الخيري, تقديرًا للموقف. ولا بُدَّ من التوكيد, مع هذا, أن العمل الخيري لا يمكن أن يَنسلخ من الخلفية الثقافية للعاملين عليه, والمموِّلين, مهما قيل إن هذا الاعتبار غير وارد في هذا المجال, لاسيما في المجتمعات التي تتبنَّى النهج العلماني في النظر إلى الشأن الاجتماعي.
· وكلُّ عمل ابن آدم, في بداياته, يكون معرَّضًا للتقصير, بما في ذلك الوقوع- غير المقصود- في الأخطاء المخلَّة أحيانًا. وكلَّما تقدَّم الناس بهذا العمل قلَّت فُرص الخطأ, وتكوَّن ما يمكن أن يسمَّى بالعراقة في العمل الخيري.
· هذه العراقة تتكوَّن مع الوقت والتجربة والخبرة والممارسة, بما في ذلك الوقوع في الأخطاء غير المتعمَّدة, ثمَّ العمل على معالجة هذا التقصير والأخطاء, عن طريق الطرح العلمي الموضوعي, القائم على المواجهة الإيجابية لهذه الهنات التي تعتري, أحيانًا, العمل الخيري, من حيث برامجُه, ومن حيث العاملون به, وجلُّهم من المتطوِّعين. وهذه الندوة, اليوم, أسلوب فاعل في هذا السياق, تتبنَّاه الهيئات الخيرية, في مواجهة مباشرة لما يعتري العمل الخيري من صعاب. وهي صعاب موجودة.
· المعلوم أن العمل الخيري, في مجمله, يقوم على التطوُّع. ولذا أصبح لزامًا على المعنيين بهذا العمل أن يطوِّروا من مفهوم التطوُّع في العمل الخيري. (9) والأصل في التطوُّع, بحدِّ ذاته, أن يكون عملاً خيريًا, في نظر القائمين عليه؛ ذلك أن المفهوم يخضع لاعتبارات ثقافية, وخلفيات فكرية, تطوِّع العمل الخيري لتحقيق أهدافٍ ثقافية, بما في ذلك الخلفيات الدينية. فالحملات التنصيرية تنطلق من مفهوم خيري في تنصير العالم, وغالب من يقوم عليها, ميدانيًّا, متطوِّعون. وتزيد نفقاتها السنوية على ثلاث مئة وعشرين مليار (320,000,000,000) دولار, حسب آخر الإحصائيات عن نشرة الإرساليات الدولية لعام 2003م. وتعمل على تنفيذ مشروعات تنموية في إفريقيا وجنوب شرق آسيا, وذلك مثل التدريب والتطبيب والتعليم وشقِّ الطرق, وبناء المؤسَّسات التنموية, بل ربَّما وصل الأمر إلى إنشاء المطارات, تستخدمها الحملات التنصيرية لأغراضها التنصيرية وغيرها, وتتيح للأهالي استخدامها, كذلك. (10)
· وكما تعمل الحملات التنصيرية في المجال الخيري, تعمل الجهود الدعوية الإسلامية في المجال الخيري, كذلك. إلاَّ أنها في بداياتها في تكوين العراقة في هذا المجال, وفيما يتبعه, كالتطوُّع. ولا يعني التطوُّع, في مفهومه الشامل, العمل دون مقابل, كما يتبادر إلى الذهن, غالبًا, بل إن المقابل الذي يُعطى للمتطوِّع قد لا يرقى إلى مستوى التضحيات الميدانية, والجهود التي يقوم بها مَن يعملون في الشأن الخيري. كما أنه يُنظر إلى عامل تطوير التطوُّع في العمل الخيري على أنه داخلٌ في مفهوم تنمية الموارد البشرية في العمل الخيري, والقوى البشرية هي الرافد المهمُّ في تنفيذ مشروعات العمل الخيري وبرامجه, سواء في دول المقرِّ للمنظَّمات الخيرية, أو في المناطق المستقبِلة لهذه المشروعات والبرامج, بما في ذلك تطوير أساليب تنمية الموارد المالية, التي أوصلها سليمان العلي في كتابه: تنمية الموارد البشرية والمالية في المنظَّمات الخيرية, إلى تسعٍ وعشرين (29) طريقة. (11)
· هذا يعني أن العمل الخيري, مهما كان, لا يكاد ينسلخ عن الخلفية الثقافية للعاملين. وهذا يعني, أيضًا, أن العمل الخيري لا يمكن أن ينموَ دون هذا الاعتبار. وقد لا يكون هذا الاعتبار حاضرًا لدى بعض المموِّلين للعمل الخيري, ولكنه حاضر بوضوح لدى المخطِّطين والمنفِّذين.
· ومما يعين على تنمية العمل الخيري, في ضوء تطوير مفهوم التطوُّع, قيام مراكز تدريب على العمل الخيري, تبدأ بداياتٍ أوَّليةً, على شكل دورات, قد تقوم بها المنظَّمات الخيرية, أو الجهات الرسمية المعنية بالشأن الاجتماعي, من خلال مراكز التدريب التابعة لها, ثمَّ تتطوَّر, بحيث تصبح المراكزُ مؤسَّسات تدريب عالية, كالمعاهد العُليا والكلِّيات, وربَّما الجامعات, تؤهِّل الشباب, من الجنسين, للتعامُل المدروس مع العمل الخيري. (12)
· اللجوء إلى التقويم الدوري للأداء والبرامج والمشروعات الخيرية فيه فائدة ظاهرة في تطوير العمل الخيري وتنميته؛ ذلك أن الحاجات البشرية تتغيَّر من زمن إلى آخر, ومن بيئة إلى بيئة أخرى. وهناك أولويات في الإنفاق على المشروعات في البيئات المحتاجة.
· المعلوم أن الإنفاق الخيري الفردي قد يميل إلى إنشاء المشروعات ذات الدلالة الدينية المباشرة كالمساجد, مثلاً, بحكم أنها داخلة في مفهوم الصدقة الجارية, من خلال كثرة المتردِّدين عليها خمس مرَّاتٍ في اليوم والليلة. بالإضافة إلى وجوه النشاط التي تقام في المساجد, مثل: حلقات تحفيظ القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهَّرة, والمحاضرات الدورية. وهذا حسن ولا غبار عليه. إلاَّ أن الحاجة في المكان الذي يراد إقامة مسجد فيه قد لا تكون كالحاجة إلى بناء مدرسة, أو حفر عدَّة آبار, أو بناء مستوصف صحِّي, أو تمويل حملة توعوية اجتماعية أو صحية أو ثقافية, ونحو ذلك, مما يدخل في مفهوم خدمة المجتمع, وتحصينه في عقله وجسمه.
· والخوض في هذا الموضوع قد يساءُ فهمه, بحكم أن العاطفة فيه ظاهرة, ولكنه خوض لا يقلِّل, البتَّةَ, من أهمية بناء المساجد والجوامع, في مواقع هي بحاجة إليها, أخذًا في الحسبان أن الأرض قد جُعلت للمسلمين مسجدًا وطَهورًا. وكان الله في عون الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ