العمل الخيري والقضايا الاجتماعية المعاصرة (3)

بقلم: د .محمد سعيد عبدالمجيد

 

نتناول في هذه المقالة جانباً مهماً من جوانب التأثيرات التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة، من خلال أحد الأجهزة التي كثر الجدل حول تأثيراتها الصحية والأخلاقية والاجتماعية، وهي " الهاتف المحمول ".

وبداية ترتبط نشأة الهاتف المحمول بالعولمة، وما أدت إليه من نشر للثقافة الاستهلاكية بين قطاعات كبيرة من الأفراد والشعوب من كل المستويات الاجتماعية في كل دول العالم، وخاصة قطاع الشباب الذي أصبح يستهلك السلع والمأكولات والملبوسات والأفلام والأغاني كلها من مصدر واحد (1). كما جعلت العولمة الإنسان في دول العالم النامي  مستهلكاً غير منتج، ينتظر ما تجود به مراكز العالم المتقدم من سلع جاهزة الصنع، بل تجعله يتباهى بما لا ينتجه، فهو القادر على استهلاك ما لا يصنعه(2).

والرؤية المعاصرة لقضية العولمة والثقافة الاستهلاكية ترى أن العولمة لكي تفرض هيمنتها على المجتمعات تتوسل بثقافة استهلاكية، رأسمالية غربية، خاصة الأمريكية. وفي هذا الصدد صَوَّرَ    " بنجامين باربر" العالم من خلال سيناريوهين: الأول: تعود فيه البشرية إلى القبلية من خلال الحروب وإراقة الدماء، وحيث تصارع ثقافة ضد ثقافة أخرى، ويصارع شعب ضد شعب آخر. وسمى هذا العالم" عالم الجهاد ". والثاني: تطلب فيه القوى الاقتصادية والتكنولوجية التكامل والتوحد وتفتن الشعوب في كل مكان بأساليب مختلفة، مثل: أجهزة الكمبيوتر، والهاتف المحمول، والوجبات السريعة . وفي هذا العالم يَسُوْق " ماكنتوش،  وماكدونالدز، ونوكيا  "، الأمم إلى حديقة ملاهٍ عالمية متجانسة، عالم من الاتصالات والمعلومات والتسلية والتجارة، ويطلق عليه  " عالم ماك"( 3 ).

لذا فقد ساهم التحول نحو اقتصاد السوق في بلدان العالم النامي - وخاصة في ظل سياسات تحرير الاقتصاد   والعولمة - في خلق ثقافة الاستهلاك من أجل الترغيب، وإلغاء العقل، وإثارة العواطف وتحريكها لاقتناء السلع الرأسمالية الإنتاجية، وتعاظم الفائض الاقتصادي لصالح الصفوة الاقتصادية؛ وبالتالي دعم قدرتها السياسية(4).

وتعلن ثقافة فكر الاستهلاك حرفياً ـ كما يرى" ليسلي سكلير Sklair  " ـ أن معنى الحياة يوجد في الأشياء التي تملكها، وبذلك " فأَنْ تستهلك " يعني أننا أحياء تماماً، ولكي نبقى أحياء تماماً يجب أن نستهلك باستمرار(5).  

ويؤكد " جان بوديلارد  Baudrillard   " على نفس المعنى، حيث يرى أن الاستهلاك الآن يتركز حول صناعة الرموز، حيث يؤدي إنتاج السلع إلى تحول الدلالات المادية إلى دلالات رمزية معنوية؛ مما يؤدى إلى تغير المعاني القديمة، وتولد معان جديدة ذات دلالات رمزية يرتبط المستهلكون بها(6).

وعلى هذا، فثقافة الاستهلاك تشير إلى مجموعة الصور والرموز والصور المصاحبة للعملية الاستهلاكية. ولقد ساهمت الرأسمالية بشكل كبير في خلق ثقافة الاستهلاك من خلال تحريك الرغبات والطموحات والأحلام لإعداد جمهور مستهلك للسلع الرأسمالية – والتي من أهمها التليفون المحمول -، وفي الوقت نفسه نشر قيم ومضامين الثقافة الرأسمالية.

ويعتبر الهاتف المحمول من أهم الأجهزة الإلكترونية التي انتشرت في الأسواق منذ سنوات قليلة. وقد أكد المؤتمر الدولي للاتصالات، الذي  عقد  بمدينة استكهولم بالسويد، أن صناعة الاتصالات المحمولة والمتنقلة سوف تحتل المقدمة على جميع الصناعات الأخرى خلال السنوات القليلة المقبلة، وأن المستقبل في العالم كله للاتصالات اللاسلكية وليس الثابتة التي تمكن إنسان القرن الحادي والعشرين من الحصول على جميع خدمات الاتصالات والمعلومات بجميع أشكالها من صوت وصورة وفيديو ونصوص مكتوبة وهو في أي مكان، وفي أي وقت،  وإجراء جميع أنواع  الأعمال بما فيها الدخول على شبكات الإنترنت والمعلومات بيسر وسهولة. وعرض المؤتمر إحصائيات عن الاتصالات المحمولة أوضحت أن عدد المشتركين يزيد يومياً بما يقرب من (700) ألف مشترك جديد  في الهاتف المحمول على المستوى العالمي. كما يوجد (130) ألف مشترك جديد لخدمات الاتصال بالإنترنت من خلال الهاتف المحمول والمعروفة بخدمات " الويب Web"، كما وصل عدد الرسائل القصيرة التي يتبادلها مستخدمو الهاتف المحمول ـ حالياً ـ إلى أكثر من (13) مليار رسالة شهرياً(7).

ومع بداية انتشار أجهزة الهاتف المحمول كثر الجدل حول التأثيرات الصحية والأخلاقية للهاتف المحمول؛ فمن الناحية الصحية تضاربت الآراء حول الآثار الصحية للهاتف المحمول، ففي بريطانيا قام مجموعة من الخبراء بقيادة السير" ويليام ستيوارت W.Stewart" بالبحث في تأثيرات موجات الهاتف المحمول والأبراج على صحة الإنسان، وجاءت النتائج  كالتالي: حتى الآن لم يثبت وجود أضرار من موجات الهاتف المحمول ولا من الأبراج على وظائف المخ والجهاز العصبي للإنسان(8). وفي المقابل توصلت دراسات أخرى إلى أن للهاتف المحمول تأثيرات كبيرة في زيادة أمراض الجهاز العصبي، وخلل وظائف المخ؛ لذا نصحت هذه الدراسات بأن تكون المكالمات على الهاتف المحمول قصيرة جداً بقدر الإمكان(9).

أما عن النواحي الأخلاقية للهاتف المحمول فتتضح في ما قام به القضاء في كندا من الحكم بالإدانة على شاب التقط صوراً غير لائقة لصديقته التي تبلغ من العمر 17 عاماً، وقام بنشرها على شبكة الإنترنت. وحكم على هذا الشاب بالسجن لمدة ستة أشهر، وعدم استعمال الهاتف المحمول والكمبيوتر لمدة عامين بعد إطلاق سراحه(10) .

وكذلك قررت إحدى الدول الإسلامية حظر استخدام الهاتف المحمول على النساء أثناء تواجدهن  داخل أحواض السباحة بالأندية. وذكر موقع للإنترنت أن اتخاذ ذلك القرار جاء لمواجهة انتشار أجهزة الهاتف المحمول المزودة بكاميرا، والتي يمكن أن تتسبب في نشوب مشاكل كبيرة في حالة التقاط صور للنساء وهن يرتدين ملابس السباحة(11).

أما بالنسبة للآثار الاجتماعية للهاتف المحمول فلقد غيرت تكنولوجيا الهاتف المحمول من طريقة تواصل الأفراد في حياتهم اليومية. كما أن للهاتف المحمول تأثيرات على الثقافات والمجتمعات التي يستخدم فيها؛ فلقد غير طبيعة الاتصالات، وأثر على العلاقات الاجتماعية. كما أثر الهاتف المحمول على تطور الأبنية الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، كما أن له صلة بإدراك المستخدمين لأنفسهم   وعالمهم(12).

وكذلك تنتمي تكنولوجيا الهاتف المحمول إلى التكنولوجيا ما بعد الصناعية، التي ساهمت في نشأة وتوسيع " المجتمع الاستهلاكي "، والذي تجاوز إشباع الحاجات الأساسية، وانتقل إلى إرضاء الأذواق المختلفة من خلال تنويع الإنتاج، بل وابتداع سلع ضرورية(13). ويلاحظ ذلك في الهاتف المحمول من خلال الاستخدام الاستعراضي للمحمول بين الأطفال والشباب والسيدات، والتباهي بالماركات العالمية فيه، وسيل الإعلانات والمسابقات التي تتم عبر الهاتف المحمول(14).

وفي هذا الإطار أظهرت دراسة قام بها كاتب المقال - تحت عنوان " التليفون المحمول وثقافة الاستهلاك في المجتمع المصري: دراسة ميدانية على عينة من شرائح طبقية مختلفة " - الكثير من الدلالات  على الآثار الاجتماعية للهاتف المحمول، ومن هذه النتائج ( 15):

- رأى معظم أفراد عينة الدراسة  أن شعار " المحمول في يد الجميع " شعار صائب تماماً؛ لأن كل فرد من أفراد الشعب المصري من وجهة نظرهم لا بد أن يحمل الهاتف المحمول لكي يتمتع بثمار التكنولوجيا الحديثة، ويتواصل مع الأصدقاء. وعلى رأي أحد أفراد العينة: " لازم كل واحد يعيش حياته، ويمتع نفسه ".

- كشفت الدراسة عن أن الغالبية العظمى من أفراد العينة لا يستطيعون ممارسة الحياة بدون المحمول، وأن الغالبية العظمى من أفراد العينة تشعر بالوحدة والكآبة وعدم الأهمية إذا لم تتلق مكالمات على الهاتف المحمول.

- كشفت الدراسة عن أن معظم أفراد العينة لا يقومون بإغلاق هاتفهم المحمول في أي مكان، حتى في أماكن العبادة؛ حيث يضع معظم الأفراد الهاتف في وضعية " الصامت " أو في وضعية " الهزاز " لمعرفة المتصل بعد الصلاة.

-     توضح خدمة الرسائل القصيرة المتاحة على القنوات الفضائية من خلال المحمول مدى النزعة الاستهلاكية التي فرضها الهاتف المحمول على معظم أفراد المجتمع، على الرغم من عدم وجود أي فائدة لهذه الخدمة؛ حيث إن معظم ما يكتب في هذه الرسائل كلام فارغ وليس له معنى.  وقدمت الدراسة نموذجاً لما يكتب في هذه الرسائل، قام الباحث برصده من خلال عينة عشوائية لما كتب في قناتي " المحور "، و " مزيكا ": [ مستر كاراتية يحب يتعرف، هاي أنا ريري 27 سنة من مصر، قومي نامي يا ياسمين، أميرة فهمتي ولا أفسر كمان، دكتور محمد بيمسي على طب المنوفية، مساء خاص للسهرانين ... العندليب، هاي حلالة المشاكل أنا توتي، حلالة المشاكل مشكلتي إنتي، قاتل القلوب –  صباح الخير لكل الموجودين – وخصوصاً حبيبة قلبي سمسمة، أنا كاتي 26 سنة أحب أتعرف على حد من الإسكندرية، أنا شريف من الزقازيق 35 سنة رومانسي حابب أتعرف على واحدة رقيقة بليز  ].

وما سبق يوضح أن الهاتف المحمول يعد أحد السلع التي تعكس تنامي ثقافة الاستهلاك؛ مما يستلزم وجود دور كبير للجمعيات الخيرية في مواجهة ثقافة الاستهلاك، وكذلك في مواجهة الآثار السلبية الأخرى  المرتبطة بالهاتف المحمول، وذلك من خلال قيام الجمعيات بعدد من الإجراءات من أهمها ما يلي:

-     تعزيز دور الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات والآثار السلبية للهاتف المحمول،  عن طريق تنظيم الندوات للتوعية بأهمية  التمسك بالقيم الدينية والثقافية الإسلامية في استخدامه.

-     العمل على تعزيز الاتجاه السلوكي للقيم الإسلامية لمواجهة المشكلات التي تعاني منها الأسرة من جراء انتشار اللقطات والمشاهد الإباحية المنتشرة عبر الهواتف المحمولة.

-          زيادة عدد الندوات التي تنظمها الجمعيات لتوعية المجتمع بإيجابيات وسلبيات الهاتف المحمول.

-          العمل على تغيير ثقافة الاستهلاك في الدول العربية، من خلال زيادة وعي المواطن العربي بضرر الإسراف على الاقتصاد، فضلاً عن الإثم الشرعي.

-          تدعيم دور الأسرة في تربية النشء على الاقتصاد وعدم الإسراف.

-           توعية المستهلكين وحث الأفراد على مقاطعة السلع ذات الأسعار المرتفعة؛ الأمر الذي ينعكس بدوره على خفض الاستهلاك.

 

 

الهوامش:

1) Malcolm Waters , Globalization , Routledge , London, 1995, p. 140.

2) أحمد مجدي حجازي، العولمة وتهميش الثقافة الوطنية، عالم الفكر، المجلد 28، العدد الثاني، دار السياسة، الكويت، أكتوبر 1999، ص 165.

3) آمال عبد الحميد محمد، العولمة والثقافة الاستهلاكية، الأشكال والآليات، في: ندوة المجتمع الاستهلاكي ومستقبل التنمية في مصر، تحرير / أحمد مجدي حجازي، الندوة السنوية الثامنة، قسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة، أبريل 2001، ص ص 143-144.

4) أحمد مجدي حجازي، ثقافة الاستهلاك والتنمية الاجتماعية، الندوة السنوية الثامنة، قسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة، مرجع سابق، ص 119.

5 ) ليسلي سكلير، الحركات الاجتماعية والرأسمالية العالمية، في :ج .تيمونز روبيرتس، أيمي هايت، من الحداثة إلى العولمة، رؤى ووجهات نظر في قضية التطور والتغيير الاجتماعي، الجزء الثاني، ترجمة سمر الشيشكلي، مراجعة محمود ماجد عمر، سلسة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 310، ديسمبر 2004، ص 240.

6) Michael Rayne & others, A Dictionary of Cultural and Critical Theory, Black well Reference, U.S.A. 1996, p. 116.

7) 700 ألف هاتف نقال جديد يومياً في العالم:

http://www.ecati.com/

8) Mobile Phones : No health Effects Found :

http://www.healthcenters.shtml.

9) Mobile Phone Use and Recent Studies on Side  Effects :

http://www.microshield.co.uk.

10) أول حكم إدانة في كندا لسوء استخدام كاميرا المحمول، نسيج:

http://www.naseej.com.sa/ahowto.html.

11)اتصالات المستقبل، أخبار اليوم، 28/9/2003:

http://www.akbarelyom.org/

12) Sadie  Plant , on the Mobile, The Effects of Mobile Telephones on Social and Individual Life, Center for Consumer and Advertising Studies, University of East London, 2003,pp. 23-25.

13)التقرير الاستراتيجي العربي 2003، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية:

http://www.ahram.org.eg/acpss/

14)أميمة أبو الخير، ملاحظات أولية حول دراسات الاستهلاك، الندوة السنوية الثامنة، مرجع سابق، ص 431.

15) محمد سعيد عبد المجيد، التليفون المحمول وثقافة الاستهلاك في المجتمع المصري، دار ومكتبة الإسراء للطبع والنشر والتوزيع، طنطا، 2006.


أخبر صديق 
  عدد الزيارات :4196
  كاتب المقال: محمد سعيد عبدالمجيد
  تاريخ الإضافة: 08/06/2009 -- 15 جمادى الثانية, 1430
الإسم :  
التعليق :
تأكيد
أدخل كود التأكيد

الإسم : poiuyttrhj
التعليق : khkhugyutfdddffdfukuhluolmlik,kl,;,;nbvcffyjkgyffcfcfcvccgfgyyuuiuikk,k,jkjjhggfvv cvfgvfyuhjgyu vghgyukgyhgkigkyuj gtygkyuhjfgkuyhfgufgjhfyfyhgyhgygyghgghgjyghvghvggcgvbbnbbbbbbbbb ** تعقيب: يبدو أن المتصفح المستخدم هو الذي جعل حروف الكلام يظهر هكذا بالشكل غير الواضح.. أرجو اعادة الرسالة مرة أخرى حتى يمكن قراءتها وفهمها وشكرا (( رئيس التحرير))

الإسم : علا(طالبه فى كليه الاداب قسم اجتماع)
التعليق : شكرا على المعلومات القيمه التى استفدت منها خاصة واننى اقوم بعمل بحث فى الاثار السلبيه لاستخدام المحمول وجزاكم الله كل خير. ** تعقيب وشكراعلى تواصلك الطيب، ونسأل الله لك التوفيق، ونأمل أن نحظى على نسخة من هذه البحث المهم، لمحاولة الإفادة من نشره إن كان يخدم العمل الاجتماعي وفقكم الله إلى كل خير ويمكن إرسال النسخة على اميل khder@medadcenter.com (( رئيس التحرير))

الإسم : د أحمد سليم
التعليق : أخي الكريم د محمد سعيد أقدم لك خالص التحية علي هذه المقالات القيمة التي استفدت منها كثيراً . ولي تساؤل عن بقية مقالات سلسلة العمل الخيري والقضايا الاجتماعية المعاصرة ، والتي نوهت عنها في المقالة الأولي وخاصة دور العمل الخيري في مواجهة العولمة ، وفي مواجهة جرائم الحاسوب ، لأننا في احتياج شديد لمعرفة كل ما هو متعلق بهذه الموضوعات . مع خالص تمنياتي بدوام التوفيق والسداد . ** نعقيب وشكر الله لك د.أحمد على تعقيباتك الطيبة وعلى ثنائك الجيد على مقالات الدكتور محمد وشكرا على تواصلك الطيب (( رئيس التحرير))

الإسم : محمد
التعليق : جميله جدًا ** تعقيب شكرا جدات لك على كلمتك القصيرة جدا المعبرة جدا جدا (( رئيس التحرير))